وبقيت ذروة من الحميّة يرتفع إليها مرتفع، وبقيت وهدة من الخسّة ينحدر إليها منحدرون كثيرون. فلم يكن في عسكر الحسين كلّه إلاّ رمق واحد من الحياة باق في رجل طعين مثخن بالجراح، تركوه ولم يجهزوا عليه لظنّهم أنّه قد مات. ذلك الرجل الكريم هو سويد بن أبي المطاع([445]) أصدق الأنصار وأنبل الأبطال. فأبى الله لهذا الرمق الضعيف أن يفارق الدنيا بغير مكرمة يتمّ بها مكرمات يومه، وتشتمل عليها النفوس الكثيرات، فإذا هي حسبها من شرف مجد وثناء. تنادى القوم بمصرع الحسين، فبلغت صيحتهم مسمعه الذي أثقله النزع وأوشك أن يجهل ما يسمع، فلم يخطر له أن يسكن لينجو وقد ذهب الأمل وحمّ الختام، ولم يخطر له أنّه ضعيف منزوف يعجّل به القوم قبل أن ينال من القوم أهون منال، ولم يحسب حساب شيء في تلك اللحظة العصيبة إلاّ أن يجاهد في القوم بما استطاع بالغاً ما بلغ من ضعف هذا المستطاع. فالتمس سيفه فإذا هم قد سلبوه، ونظر إلى شيء يجاهد به فلم تقع يده إلاّ على مدية صغيرة لا غناء بها مع السيوف والرماح، ولكنّه قنع بها وغالب الوهن والموت، ثمّ وثب على قدميه من بين الموتى وثبة المستيئس