ومن المتعذّر ـ بعد وقوف هاتين القوّتين موقف المراقبة والمناجزة ـ أن تتقصّى أوائل القتال وتتبع ترتيب الحوادث بعد واحدة على حسب وقوعها.. فإنّ الأقوال في سرد حوادث كربلاء لا تتّفق على ترتيب واحد، سواء كان هذا الترتيب في رواية أنصار الحسين أو رواية أنصار يزيد. إلاّ أنّ الترتيب الطبيعي يستبين للعقل من سبب الوقوف في ذلك المكان، وهو منع الحسين أن ينصرف إلى سبيله وأن يرد الماء حتّى يكرهه العطش إلى التسليم، وكان الموقف كما وصفه أبو العلاء بعد ذلك بأربعة قرون: منع الفتى هيناً فجرّ عظائماً *** وحمى نمير الماء فانبعث الدم([407]) ولم يمتنع طريق الماء في بادئ الأمر دفعة واحدة ; لأنّ حرّاس المورد من جماعة عمر بن سعد لم يكونوا على جزم بما يصنعون في مواجهة الحسين وصحبه.. فلمّا اندفع بعض أصحاب الحسين إلى الماء بالقرب والأداوى([408])، مانعهم القوم هنيهة ثمّ أخلوا لهم سبيل النهر خوفاً وحيرة، فشربوا وملأوا قربهم وأداواهم بما يغنيهم عن الاستقاء إلى حين([409]). والظاهر أنّ الشرّ كلّه كان في حضور شمر بن ذي الجوشن على تلك الساحة متربّصاً كلّ التربّص بمن يتوانى في حصار الحسين ومضايقته،