والذي نراه نحن من مراجعة الحوادث والأسانيد أنّ الحسين ربّما اقترح الذهاب إلى يزيد ليرى رأيه، ولكنّه لم يعدهم أن يبايعه أو يضع يده في يده ; لأنّه لو قبل ذلك لبايع في مكانه واستطاع عمر بن سعد أن يذهب به إلى وجهته، ولأنّ أصحاب الحسين في خروجه إلى العراق قد نفوا ما جاء في ذلك الكتاب، ومنهم عقبة بن سمعان حيث كان يقول: « صحبت الحسين من المدينة إلى مكّة ومن مكّة إلى العراق، ولم أُفارقه حتّى قتل، وسمعت جميع مخاطباته إلى الناس إلى يوم قتله.. فوالله ما أعطاهم ما يزعمون من أن يضع يده في يد يزيد ولا أن يسيّروه إلى ثغر من الثغور، ولكنّه قال: دعوني أرجع إلى المكان الذي أقبلت منه، أو دعوني أذهب في هذه الأرض العريضة حتّى ننظر إلى ما يصير إليه أمر الناس »([359]). ولعلّ عمر بن سعد قد تجوّز في نقل كلام الحسين عمداً ; ليأذنوا له في حمله إلى يزيد، فيلقي عن كاهله مقاتلته وما تجرّ إليه من سوء القالة ووخز الضمير، أو لعلّ الأعوان الأُمويين قد أشاعوا عن الحسين اعتزامه للمبايعة ; ليلزموا بالبيعة أصحابه من بعده، ويسقطوا حجّتهم في مناهضة الدولة الأُمويّة. وأيّاً كانت الحقيقة في هذه الدعوى فهي تكبّر مأثمة عبيد الله وشمر ولا تنقص منها. ولقد كانا على العهد بمثليهما، كلاهما كفيل أن يحول بين صاحبه وبين خالجة من الكرم تخامره أو تغالب اللؤم الذي فطر عليه، فلا يصدر منهما