تعزلهم دولة الليل عن الانصراف إلى مسؤولياتهم في النهار، فإذا تكاملت دولة الليل ودولة النهار عندئذ يتكامل الإنسان، ويؤدي حق هذين الشطرين العظيمين من حياته. والعلماء أمراء دولة الليل والنهار. ولذلك يجب عليهم ان يحرصوا على أن يعطوا حق الليل والنهار بشكل كامل. يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): (أما الليل فصافون اقدامهم يرتلون القرآن ترتيلا، ويستثيرون به دواء دائهم … أما النهار فحلماء علماء أبرار أتقياء قد برأهم الخوف بري القداح). ومن مناهج التربية والتزكية ترويض الجسم والنفس. ومن مفردات الترويض الصيام، والكف عن لذائذ الطعام، والكف عن الاستغراق في النوم … وبين الجسم والروح علاقة عكسية فكلّما بالغ الإنسان في لذات جسمه ـ حتى المحللة منها ـ تضاءل حظه من المعرفة والبصيرة والخشوع، والإنابة، والدعاء، والمناجاة … وهو رزق تتلقاه النفوس من عند الله، كما تتلقى الأجسام المطاعم والمشارب والمناكح من عند الله، وكل منهما رزق الله، ولكن الإكثار من الأول يؤدي بصورة قهرية إلى تحجيم وتحديد حظّ الإنسان من الرزق الثاني، ولابد للإنسان من رعاية الجسم، والمحافظة عليه، وتطييبه بما خلق الله تعالى له من الطيبات، فإن الجسم مركّب الروح والنفس، ومن دون الجسم لا يستطيع الإنسان أن يبلغ ما أراد الله تعالى له من السعي والكدح إلى جنابه الكريم، ولكن بشرط أن لا يبالغ الإنسان في ذلك، وبشرط أن يأخذ الإنسان نفسه ببعض التضييق والتشديد في لذاته، حتى يفتح الله تعالى عليه لذات الروح والنفس، ولذات الروح والنفس لا تضاهيها لذة لمن طعم هذه اللذات.