( 407 ) وكمثل بسيط نذكر لك قصّة صفوان بن اُميّة الذي كان يعادي النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم فخرج هارباً، فأمّنه النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم وأعطاه عمامته التي دخل فيها مكّة كوثيقة للأمان فلمّا اطمأن ورجع حتّى وقف على رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم قال: إنّ هذا يقول: إنّك قد أمنّتني، قال النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: "صدق" قال: فاجعلني فيه بالخيار شهرين. قال صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: "أنت بالخيار فيه أربعة أشهُر" (1). وهكذا نجد النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم يخيّر هذا المشرك ويمهله أربعة أشهر ليفكّر ويختار الإسلام عن قناعة وقبول. ولعلّ أوضح دليل في هذا المجال هو قوله سبحانه: ( وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أبْلِغْهُ مَأمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَعْلَمُونَ )(التوبة: 6). وهنا لا بدّ أن نسجّل أنّ هذه الآيات والمواقف الصريحة في حريّة الاعتقاد تكذّب الاتّهام القائل بأنّ الإسلام انتشر بالسيف، فالإسلام انتشر بالتبليغ الحسن، والدعوة الخالصة ورغبة الشعوب فيه. وهذه هي حقيقة يعترف بها الأجانب قبل الأصدقاء، فهذا هو غوستاف لوبون في كتاب حضارة العرب يقول: (إنّ القوّة لم تكن عاملاً في انتشار القرآن فقد ترك العرب المغلوبين على أمرهم أحراراً في أديانهم ولم ينشر الإسلام بالسيف بل انتشر بالدعوة وحدها، وبالدعوة وحدها اعتنقت الشعوب التي قهرت العرب مؤخّراً كالترك والمغول، وأدرك الخلفاء السابقون أنّ النظم والأديان ليست ممّا يفرض قسراً فعاملوا أهل كلّ قطر استولوا عليه بلطف عظيم، فالحقّ أنّ الاُمم لم تعرف فاتحين راحمين متسامحين مثل العرب(المسلمين) ولا ديناً سمحاً مثل دينهم)(2). ــــــــــــــــــــــــــــ 1- سيرة ابن هشام 2:417 ـ 418. 2- روح الشرائع 2:178 ـ 179 نقله عادل زعيتر في هامشه عليه.