مثل أن يعلم أن قدر النصف من جملة ماله حرام فعليه تمييز النصف وإن شكل فله طريقان أحدهما الأخذ باليقين والآخر الأخذ بغالب الظن وكلاهما قد قال به العلماء في اشتباه ركعات الصلاة ونحن لا نجوز في الصلاة إلا الأخذ باليقين فإن الأصل اشتغال الذمة فيستصحب ولا يغير إلا بعلامة قوية وليس في أعداد الركعات علامات يوثق بها وأما ههنا فلا يمكن أن يقال الأصل أن ما في يده حرام بل هو مشكل فيجوز له الأخذ بغالب الظن اجتهادا ولكن الورع في الأخذ باليقين فإن أراد الورع فطريق التحري والإجتهاد أن لا يستبقي إلا القدر الذي يتيقن أنه حلال وإن أراد الأخذ بالظن فطريقة مثلا أن يكون في يده مال تجارة فسد بعضها فيتيقن أن النصف حلال وأن الثلث مثلا حرام ويبقى سدس يشك فيه فيحكم فيه بغالب الظن وهكذا طريق التحري في كل مال وهو أن يقتطع القدر المتيقن من الجانبين في الحل والحرمة والقدر المتردد فيه إن غلب على ظنه التحريم أخرجه وإن غلب الحل جاز له الإمساك والورع إخراجه وإن شك فيه جاز الإمساك والورع إخراجه وهذا الورع آكد لأنه صار مشكوكا فيه وجاز إمساكه اعتمادا على أنه في يده فيكون الحل أغلب عليه وقد صار ضعيفا بعد يقين اختلاط الحرام ويحتمل أن يقال الأصل التحريم ولا يأخذ إلا ما يغلب على ظنه أنه حلال وليس أحد الجانبين بأولى من الآخر وليس يتبين لي في الحال ترجيح وهو من المشكلات .
فإن قيل هب أنه أخذ باليقين لكن الذي يخرجه ليس يدري أنه عين الحرام فلعل الحرام ما بقي في يده فكيف يقدم عليه ولو جاز هذا لجاز أن يقال إذا اختلطت ميتة بتسع مذكاة فهي العشر فله أن يطرح واحدة أي واحدة كانت ويأخذ الباقي ويستحله ولكن يقال لعل الميتة فيما استبقاه بل لو طرح التسع واستبقى واحدة لم تحل لاحتمال أنها الحرام فنقول هذه الموازنة كانت تصح لولا أن المال يحل بإخراج البدل لتطرق المعاوضة إليه وأما الميتة فلا تتطرق المعاوضة إليها فليكشف الغطاء عن هذا الإشكال بالفرض في درهم معين اشتبه بدرهم آخر فيمن له درهمان أحدهما حرام قد اشتبه عينه وقد سئل أحمد بن حنبل Bه عن مثل هذا فقال يدع الكل حتى يتبين وكان قد رهن آنية فلما قضى الدين حمل إليه المرتهن آنيتين وقال لا أدري أيتهما آنيتك فتركهما فقال المرتهن هذا الذي هو لك وإنما كنت اختبرك فقضى دينه ولم يأخذ الرهن وهذا ورع ولكنا نقول إنه غير واجب فلنفرض المسألة في درهم له مالك معين حاضر فنقول إذا رد أحد الدرهمين عليه ورضي به مع العلم بحقيقة الحال حل له الدرهم الآخر لأنه لا يخلو إما أن يكون المردود في علم الله هو المأخوذ فقد حصل المقصود وإن كان غير ذلك فقد حصل لكل واحد درهم في يد صاحبه فالاحتياط أن يتبايعا باللفظ فإن لم يفعلا وقع التقاص والتبادل بمجرد المعاطاة وإن كان المغصوب منه قد فات له درهم في يد الغاصب وعسر الوصول إلى عينه واستحق ضمانه فلما أخذه وقع عن الضمان بمجرد القبض وهذا في جانبه واضح فإن المضمون له يملك الضمان بمجرد القبض من غير لفظ والإشكال في الجانب الآخر أنه لم يدخل في ملكه فنقول لأنه أيضا إن كان قد تسلم درهم نفسه فقد فات له أيضا درهم في يد الآخر فليس يمكن الوصول إليه فهو كالغائب فيقع هذا بدلا عنه في علم الله إن كان الأمر كذلك ويقع هذا التبادل في علم الله كما يقع التقاص لو أتلف رجلان كل واحد منهما درهما على صاحبه بل في عين مسألتنا لو ألقى كل واحد ما في يده في البحر أو أحرقه كان قد اتلفه ولم يكن عليه عهدة للآخر بطريق التاقص فكذا إذا لم يتلف فإن القول بهذا أولى من المصير إلى أن من يأخذ درهما حراما ويطرحه في ألف ألف درهم لرجل آخر يصير كل المال محجورا عليه لا يجوز التصرف