هلاكا مؤبدا فليت كان جهل الآدمى كجهل الفراش فإنها باغترارها بظاهر الضوء إن احترقت تخلصت في الحال والآدمى يبقى في النار أبد الآباد او مدة مديدة ولذلك كان ينادى رسول الله A ويقول إنى ممسك بحجزكم عن النار وأنتم تتهافتون فيها تهافت الفراش // حديث إنى ممسك بحجزكم عن النار وأنتم تهافتون فيها تهافت الفراش متفق عليه من حديث أبى هريرة مثلى ومثل أمتى كمثل رجل استوقد نارا فجعلت الدواب والفراش يقعن فأنا آخذ بحجزكم وأنتم تقتحمون فيه لفظ مسلم واقتصر البخارى على أوله ولمسلم من حديث جابر وأنا آخذ بحجزكم وأنتم تفلتون من يدى // فهذه لمعة عجيبة من عجائب صنع الله تعالى في أصغر الحيوانات وفيها من العجائب ما لو اجتمع الأولون والآخرون على الإحاطة بكنهه عجزوا عن حقيقته ولم يطلعوا على أمور جلية من ظاهر صورته فأما خفايا معانى ذلك فلا يطلع عليها إلا الله تعالى .
ثم في كل حيوان ونبات أعجوبة وأعاجيب تخصه لا يشاركه فيها غيره فانظر إلى النحل وعجائبها وكيف أوحى الله تعالى إليها حتى اتخذت من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون وكيف استخرج من لعابها الشمع والعسل وجعل أحدهما ضياء وجعل الآخر شفاء ثم لو تأملت عجائب أمرها في تناولها الأزهار والأنوار واحترازها عن النجاسات والأقذار وطاعتها لواحد من جملتها هو أكبرها شخصا وهو أميرها ثم ما سخر الله تعالى له أميرها من العدل والإنصاف بينها حتى انه ليقتل على باب المنفذ كل ما وقع منها على نجاسة لقضيت منها عجبا آخر العجب إن كنت بصيرا في نفسك وفارغا من هم بطنك وفرجك وشهوات نفسك في معاداة أقرانك وموالاة إخوانك ثم دع عنك جميع ذلك وانظر إلى بنائها بيوتها من الشمع واختيارها من جملة الأشكال الشكل المسدس فلا تبني بيتا مستديرا ولا مربعا ولا مخمسا بل مسدسا لخاصية في الشكل المسدس يقصر فهم المهندسين عن دركها وهو أن أوسع الأشكال وأحواها المستديرة وما يقرب منها فان المربع يخرج منه زوايا ضائعة وشكل النحل مستدير مستطيل فترك المربع حتى لا تضيع الزوايا فتبقى فارغة ثم لو بناها مستديرة لبقيت خارج البيوت فرج ضائعة فان الأشكال المستديرة إذا جمعت لم تجتمع متراصة ولا شكل في الأشكال ذوات الزوايا يقرب في الاحتواء من المستدير ثم تتراص الجملة منه بحيث لا يبقى بعد اجتماعها فرجة الا المسدس وهذه خاصية هذه الشكل فانظر كيف ألهم الله تعالى النحل على صغر جرمه ولطافة قده لطفا به وعناية بوجوده وما هو محتاج اليه ليتهنأ بعيشه فسبحانه ما أعظم شأنه وأوسع لطفه وامتنانه .
فاعتبر بهذه اللمعة اليسيرة من محقرات الحيوانات ودع عنك عجائب ملكوت الأرض والسموات فان القدر الذي بلغه فهمنا القاصر منه تنقضي الأعمار دون إيضاحه ولا نسبة لما أحاط به علمنا إلى ما أحاط به العلماء والأنبياء ولا نسبة لما أحاط به علم الخلائق كلهم إلى ما استأثر الله تعالى بعلمه بل كل ما عرفه الخلق لا يستحق أن يسمى علما في جنب علم الله تعالى فبالنظر في هذا وأمثاله تزداد المعرفة الحاصلة بأسهل الطريقين وبزيادة المعرفة تزداد المحبة فان كنت طالبا سعادة لقاء الله تعالى فانبذ الدنيا وراء ظهرك واستغرق العمر في الذكر الدائم والفكر اللازم فعساك تحظى منها بقدر يسير ولكن تنال بذلك اليسير ملكا عظيما لا آخر له .
بيان السبب في تفاوت الناس في الحب .
اعلم ان المؤمنين مشتركون في أصل الحب لاشتراكهم في أصل المحبة ولكنهم متفاوتون لتفاوتهم في المعرفة وفي حب الدنيا إذ الأشياء إنما تتفاوت بتفاوت أسبابها وأكثر الناس ليس لهم من الله تعالى إلا الصفات