كتاب الجنايات .
1427 - ـ مسألة : ( القتل بغير حق ينقسم ثلاثة أقسام : أحدها العمد ) المحض وهو نوعان : أحدهما أن يضربه بمحدد وهو ما يقطع به ويدخل في البدن كالسيف والسكين والنشاب وما يجرح بحده وإن كان زجاجا أو خشبا أو قصبا فهذا كله إذا جرح به جرحا كبيرا فمات فهو قتل عمد لا خلاف فيه بين أهل العلم فيما علمناه فأما الجرح الصغير كشرطة حجام أو غرزة بإبرة أو شوكة نظرت : فإن كان ذلك في مقتل كالعين والفؤاد والصدغ فمات فهو عمد لأن الإصابة بذلك في المقتل كالإصابة بالسكين في غير مقتل وإن كان في غير مقتل نظرت : فإن كان قد بالغ في إدخالها في البدن فهو كالجرح الكبير وإن غرزه بها غرزا يسيرا أو جرحه بالكبير جرحا لطيفا كشرطة الحجام فما دونها في غير مقتل فقال أصحابنا : إن بقي فيها حتى مات ففيه القود لأن الظاهر أنه مات منه وإن مات في الحال ففيه وجهان : أحدهما لا قصاص قال ابن حامد : لأن الظاهر أنه لم يمت منه والثاني فيه القصاص لأن المحدد لا يعتبر فيه غلبة ظن القتل به بدليل ما لو قطع أنملته ولأن في البدن مقاتل خفية وهذا له سراية ومور فأشبه الجرح الكبير الثاني أن يقتله بما ليس بمحدد بما يغلب على الظن حصول الزهوق به عند استعماله فهذا عمد موجب للقصاص أيضا وقال أبو حنيفة : لا قود في هذا إلا أن يكون قتله بالنار وعنه في مثقل الحلائل روايتان واحتجوا بقول النبي A : ألا إن في قتيل عمد الخطأ قتيل السوط والعصا والحجر مائة من الإبل فسماه عمد الخطأ وأوجب فيه الدية دون القصاص ولأن العمد لا يمكن اعتباره بنفسه فيجب ضبطه بمظنته ولا يمكن ضبطه بما يقتل غالبا لأن ذلك يختلف وهو مستقصى بما لو جرحه جرحا صغيرا لا يقتل مثله غالبا كقطع شحمة أذنه وأنملة وغرزة بإبرة فوجب ضبطه بالجارح ولنا قوله سبحانه : { ومن قتل مظلوما } 'سورة الإسراء : الآية 33' وروى أنس بن مالك Bه : [ أن يهوديا قتل جارية على أوضاح لها بحجر فقتله رسول الله A بين حجرين ] متفق عليه وروى أبو هريرة قال : [ قام رسول الله A فقال : ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين : إما أن يود وإما أن يقاد ] متفق عليه ولأنه يقتل غالبا فوجب به القصاص كالمحدد وأما الحديث فمحمول على المثقل الصغير لأنه ذكر العصا والسوط وقرن به الحجر فدل على أنه أراد الصغير وقولهم لا يمكن ضبطه ممنوع وصغير المحدد قد تقدم الكلام فيه إذا ثبت هذا فمن صور المسألة أن يضربه بمثقل كبير سواء كان من حديد كاللت والسندان والمطرقة أو حجر ثقيل أو خشبة كبيرة أو يلقي عليه حائطا أو صخرة عظيمة أو ما أشبهه فيموت بذلك ففيه القود لأنه يقتل غالبا ومنها أن يضربه بمثقل صغير أو يلكزه بيده فإن كان في مقتل أو في حال ضعف من المضروب بحيث تقتله تلك الضربة غالبا أو كرر الضرب حتى قتله أو عصر خصيتيه عصرا شديدا فمات منه ففيه القود لذلك ومنها أن يلقيه من شاهق كرأس جبل أو حائط عال فهو عمد أيضا ومنها أن يمنع خروج نفسه إما أن يجعل في عنقه خراطة ثم يعلقه في خشبة بحيث يرتفع عن الأرض فيختنق أو يخنقه وهو على الأرض بيده أو بمنديل أو حبل أو يغمه بوسادة أو شئ يضعه على فمه وأنفه مدة فيموت فإن فعله مدة يموت فيها غالبا فمات فهو عمد وفيه القصاص ومنها أن يلقيه في نار أو ماء لا يمكنه التخلص من ذلك لكثرة الماء والنار أو لمنعه إياه من الخروج أو لضعفه عن الخروج فهو عمد يقتل غالبا ومنها أن يسقيه سما أو يطعمه قاتلا فيموت به فهو عمد إذا كان مثله يقتل غالبا ومنها أن يشهد رجلان على رجل بما يوجب قتله فيقتل بشهادتهما ثم رجعا واعترفا بتعمد القتل وجب عليهما القتل قصاصا لأن رجلين شهدا عند علي Bه على رجل أنه سرق فقطعه ثم رجعا عن شهادتهما فقال علي : لو علمت أنكما تعمدتما لقطعت أيديكما وغرمهما دية يده ولأنهما توصلا إلى قتله بسبب يقتل غالبا فأشبه المكره ومنها إذا حكم الحاكم على رجل بالقتل ظلما عالما بذلك متعمدا قتله فقتل واعترف بذلك وجب القصاص عليه والخلاف فيه كالشاهدين وفي هذه الصور جميعها يتخير الولي بين القود والدية لما روى أبو هريرة Bه قال : [ قام رسول الله A فقال : من قتل له قتيل فهو بخير النظرين : إما أن يود وإما يقاد ] متفق عليه وروى أبو شريح [ أن النبي A قال : يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل وأنا والله عاقله فمن قتل بعده قتيلا فأهله بين خيرين : إن أحبوا قتلوا وإن أحبوا أخذوا الدية ] رواه أبو داود وغيره وروي عن أحمد C أن موجب العمد القصاص عينا لقوله A : [ من قتل عمدا فهو قود ] ولأنه بدل متلف فكان معينا كسائر المتلفات والأول أولى لما سبق من الأحاديث لقوله سبحانه : { فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف } 'سورة البقرة : الآية 178' أوجب الاتباع بمجرد العفو عن القصاص وأما الخبر فالمراد به وجوب القصاص ونحن نقول به ويخالف القتل سائر المتلفات لأن بدلها لا يختلف بالقصد وعدمه والقتل بخلافه وللشافعي Bه كهاتين الروايتين فإن قلنا موجبة للقصاص عنها فله العفو مطلقا وله العفو على مال فإن عفا بشرط المال وجبت الدية وإن عفا مطلقا لم يجب شئ وإن قلنا الواجب أحد الأمرين لا بعينه فعفا عن القصاص مطلقا أو إلى الدية وجبت الدية لأن الواجب غير متعين فإذا ترك أحدهما تعين الآخر وإن اختار الدية سقط القصاص وإن اختار القصاص تعين وهل له بعد ذلك العفو على الدية ؟ قال القاضي : له ذلك لأن القصاص أعلى فكان له الانتقال إلى الأدنى ويكون بدلا عن القصاص وليس الذي وجب بالقتل ويحتمل أنه ليس ذلك لأنه أسقطها باختياره فلم يعد إليها .
1428 - ـ مسألة : ( وإن صالح القاتل عن القود بأكثر من الدية جاز ) قال شيخنا : لا أعلم فيه خلافا لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده [ أن رسول الله A قال : من قتل متعمدا دفع إلى أولياء المقتول فإن شاءوا قتلوا وإن شاءوا أخذوا الدية وهي ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة وما صولحوا عليه فهو لهم وذلك لتشديد القتل ] أخرجه الترمذي وقال : حديث حسن غريب وروي أن هدبة بن خشرم قتل قتيلا فبذل سعيد بن العاص والحسن والحسين لابن المقتول سبع ديات ليعفو عنه فأبى ذلك وقتله ولأنه عوض عن غير مال فجاز الصلح عنه بما اتفقوا عليه كالصداق وعوض الخلع ولأنه صلح عن ما لا يجري فيه الربا فأشبه الصلح عن العروض .
( الثاني شبه العمد وهو أن يتعمد الجناية عليه بما لا يقتله غالبا فلا قود فيه والدية على العاقلة ) وسمي شبه العمد لأنه قصد الضرب وأخطأ في القتل ويسمى خطأ العمد وعمد الخطأ وقال أبو بكر : تجب به الدية في مال القاتل لأنه موجب فعل عمد فكان في مال الفاعل كسائر الجنايات ولنا ما روى أبو هريرة قال : [ اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها فقضى النبي A أن دية جنينها غرة عبد أو وليدة وقضى بدية المرأة على عاقلتها ] متفق عليه و [ قال E : ألا إن في قتيل خطأ العمد وقتيل السوط والعصا مائة من الإبل ] فسماه خطأ العمد وأوجب فيه الدية لا القصاص وفي لفظ رواه أبو داود [ أن النبي A قال : عقل شبه العمد مغلظ مثل عقل العمد ولا يقتل صاحبه ] .
( الثالث الخطأ وهو نوعان : أحدهما أن يفعل فعلا لا يريد به المقتول فيفضي إلى قتله ) قال ابن المنذر : أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن القتل الخطأ أن يرمي الرامي شيئا فيصيب غيره ولا أعلمهم يختلفون فيه فهذا الضرب من الخطأ تجب به الدية على العاقله والكفارة في مال القاتل بغير خلاف علمناه بينهم بدليل قوله سبحانه : { ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا } 'سورة النساء : الآية 92' .
1429 - ـ مسألة : ( أو يتسبب إلى القتل بحفر بئر وقتل النائم والمجنون والصبي فحكمه حكم شبه العمد ) يعني أنه لا يوجب القصاص وإنما يوجب الدية ودليله ما سبق .
( النوع الثاني أن يقتل مسلما في دار الحرب يظنه حربيا أو يقصد رمي صف الكفار فيصيب سهمه مسلما ففيه كفارة بلا دية لقوله سبحانه : { فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة } 'سورة النساء : الآية 92 ' وعنه تجب فيه الدية والكفارة لقوله سبحانه : { ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله } 'سورة النساء : الآية 92 ' ولنا ما سبق من الآية ولم يذكر دية وتركه لذكرها في هذا النوع مع ذكرها في الذي قبله دليل ظاهر أنها لا تجب وذكره لهذا قسما مفردا دليل على أنه لم يدخل في عموم الآية