ويجوز أن يكون ( من الذين هادوا ) صفة للذين أوتوا نصيبا من الكتاب وتكون ( من ) بيانية أي هم الذين هادوا فتكون جملة ( يحرفون ) حالا من قوله ( الذين هادوا ) . وعلى الوجهين فقد أثبتت لهم أوصاف التحريف والضلالة ومحبة ضلال المسلمين . والتحريف : الميل بالشيء إلى الحرف وهو جانب الشيء وحافته وسيأتي عند قوله تعالى ( يحرفون الكلم عن مواضعه ) في سورة المائدة وهو هنا مستعمل في الميل عن سواء المعنى وصريحة إلى التأويل الباطل كما يقال : تنكب عن الصراط وعن الطريق إذا أخطأ الصواب وصار إلى سوء الفهم أو التضليل فهو على هذا تحريف مراد الله في التوراة إلى تأويلات باطلة كما يفعل أهل الأهواء في تحريف معاني القرآن بالتأويلات الفاسدة . ويجوز أن يكون التحريف مشتقا من الحرف وهو الكلمة والكتابة فيكون مرادا به تغيير كلمات التوراة وتبديلها بكلمات أخرى لتوافق أهواء أهل الشهوات في تأييد ما هم عليه من فاسد الأعمال . والظاهر أن كلا الأمرين قد ارتكبه اليهود في كتابهم . وما ينقل عن ابن عباس أن التحريف فساد التأويل ولا يعمد قوم على تغيير كتابهم ناظر إلى غالب أحوالهم فعلى الاحتمال الأول يكون استعمال ( عن ) في قوله ( عن مواضعه ) مجازا ولا مجاوزة ولا مواضع وعلى الثاني يكون حقيقة إذ التحريف حينئذ نقل وإزالة .
وقوله ( ويقولون ) عطف على ( يحرفون ) ذكر سوء أقوالهم وهي أقوالهم التي يواجهون به الرسول A : يقولون سمعنا دعوتك وعصيناك وذلك إظهار لتمسكهم بدينهم ليزول طمع الرسول في إيمانهم ولذلك لم يروا في قولهم هذا أذى للرسول فأعقبوه بقولهم له ( واسمع غير مسمع ) إظهار للتأدب معه .
ومعنى ( اسمع غير مسمع ) أنهم يقولون للرسول A عند مراجعته في أمر الإسلام : اسمع منا ويعقبون ذلك بقولهم : ( غير مسمع ) يوهمون أنهم قصدوا الظاهر المتبادر من قولهم : غير مسمع أي غير مأمور بأن تسمع في معنى قول العرب : " افعل غير مأمور " . وقيل معناه : غير مسمع مكروها فلعل العرب كانوا يقولون : اسمعه بمعنى سبه . والحاصل أن هذه الكلمة كانت معروفة الإطلاق بين العرب في معنى الكرامة والتلطف . إطلاقا متعارفا ولكنهم لما قالوها الرسول أرادوا بها معنى آخر انتحلوه لها من شيء يسمح به تركيبها الوضعي أي أن لا يسمع صوتا من متكلم . بأن يصير أصم أو أن لا يستجاب دعاؤه . والذي دل على أنهم أرادوا ذلك قوله بعد ( ولو أنهم قالوا ) إلى قوله ( واسمع وانظرنا ) فأزال لهم كلمة ( غير مسمع ) . وقصدهم من إيراد كلام ذي وجهين أن يرضوا الرسول والمؤمنين ويرضوا أنفسهم بسوء نيتهم مع الرسول A ويرضوا قومهم فلا يجدوا عليهم حجة .
وقولهم ( راعنا ) أتوا بلفظ ظاهره طلب المراعاة أي الرفق والمراعاة مفاعلة مستعملة في المبالغة في الرعي على وجه الكناية الشائعة التي ساوت الأصل ذلك لأن الرعي من لوازمه الرفق بالمرعي وطلب الخصب له ودفع العادية عنه . وهم يريدون ب ( راعنا ) كلمة في العبرانية تدل على ما تدل عليه كلمة الرعونة في العربية وقد روي أنها كلمة ( راعونا ) وأن معناها الرعونة فلعلهم كانوا يأتون بها يوهمون أنهم يعظمون النبي A بضمير الجماعة ويدل لذلك أن الله نهى المسلمين عن متابعتهم إياهم في ذلك اغترار فقال في سورة البقرة ( يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا ) .
واللي أصله الانعطاف والانثناء ومنه ( ولا تلوون على أحد ) وهو يحتمل الحقيقة في كلتا الكلمتين : اللي والألسنة أي أنهم يثنون ألسنتهم ليكون الكلام مشبها لغتين بأن يشبعوا حركات أو يقصروا مشبعات أو يفخموا مرققا أو يوقفوا مفخما ليعطي اللفظ في السمع صورة تشبه صورة كلمة أخرى فإنه قد تخرج كلمة من زنة إلى زنة ومن لغة إلى لغة بمثل هذا . ويحتمل أن يراد بلفظ ( اللي ) مجازة وب ( الألسنة ) مجازة : فاللي بمعنى تغيير الكلمة والألسنة مجاز على الكلام أي يأتون في كلامهم بما هو غير متمحض لمعنى الخير .
وانتصب ( ليا ) على المفعول المطلق ل ( يقولون ) لأن اللي كيفية من كيفيات القول .
A E