وجملة ( وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا ) تذييل لتطمئن نفوس المؤمنين بنصر الله لأن الإخبار عن اليهود بأنهم يريدون ضلال المسلمين وأنهم أعداء للمسلمين من شأنه أن يلقي الروع في قلوب المسلمين إذ كان اليهود المحاورون للمسلمين ذوي عدد وعدد وبيدهم الأموال وهم مبثوثون في المدينة وما حولها : من قينقاع وقريظة والنظير وخيبر وسوء نواياهم ليسا بالأمر الذي يستهان به فكان قوله ( وكفى بالله وليا ) مناسبا لقوله ( ويريدون أن تضلوا السبيل ) أي إذ كانوا مضمرين لكم السوء فالله وليكم ويهديكم ويتولى أموركم شأن الولي مع مولاه وكان قوله ( وكفى بلله نصيرا ) مناسبا لقوله ( بأعدائكم ) أي فالله ينصركم .
وفعل ( كفى ) في قوله ( وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا ) مستعمل في تقوية اتصاف فاعله بوصف يدل عليه التمييز المذكور بعده أي أن فاعل ( كفى ) أجدر من يتصف بذلك الوصف ولأجل الدلالة على هذا غلب في الكلام إدخال باء على فاعل فعل كفى وهي باء زائدة لتوكيد الكفاية بحيث يحصل إبهام يشوق السامع إلى معرفة تفصيله فيأتون باسم يميز نوع تلك النسبة ليتمكن المعنى في ذهن السامع .
وقد يجيء فاعل ( كفى ) غير مجرور بالباء كقول عبد بني الحسحاس : .
" كفى الشيب والإسلام ناهيا وجعل الزجاج الباء هنا غير زائدة وقال : ضمن فعل كفى معنى اكتف واستحسنه ابن هشام .
وشذت زيادة الباء في المفعول كقول كعب بن مالك أو حسان بن ثابت : .
فكفى بنا فضلا على من غيرنا ... حب النبي محمد إيانا وجزم الواحدي في شرح قول المتنبي : .
كفى بجسمي نحولا أنني رجل ... لولا مخاطبتي إياك لم ترني بأنه شذوذ .
ولا تزاد الباء في فاعل ( كفى ) بمعنى أجزأ ولا التي بمعنى وقى فرقا بين استعمال كفى المجازي واستعمالها الحقيقي الذي هو معنى الاكتفاء بذات نحو : .
" كفاني ولم أطلب قليل من المال ( من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا [ 46 ] ) يجوز أن يكون هذا كلاما مستأنفا .
و ( من ) تبعيضية وهي خبر لمبتدإ محذوف دلت عليه صفته وهي جملة ( يحرفون ) . والتقدير : قوم يحرفون الكلم .
وحذف المبتدإ في مثل هذا شائع في كلام العرب اجتزاء بالصفة عن الموصوف وذلك إذا كان المبتدأ موصوفا بجملة أو ظرف وكان بعض اسم مجرور بحرف ( من ) وذلك الاسم مقدم على المبتدإ . ومن كلمات العرب المأثورة قولهم " منا ظعن ومنا أقام " أي منا فريق ظعن ومنا فريق أقام . ومنه قول ذي الرمة : .
قظلوا ومنهم دمعه غالب له ... وآخر يذري مدعة العين بالهمل أي ومنهم فريق بدليل قوله في العطف وآخر . وقول تميم بن مقبل : .
وما الدهر إلا تارتان فمنهما ... أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح وقد دل ضمير الجمع في قوله ( يحرفون ) أن هذا صنيع فريق منهم وقد قيل : إن المراد به رفاعة بن زيد بن التابوت من اليهود ولعل قائل هذا يعني أنه من جملة هؤلاء الفريق إذ لا يجوز أن يكون المراد واحدا ويؤتى بضمير الجماعة وليس المقام مقام إخفاء حتى يكون على حد قوله عليه السلام " ما بال أقوام يشترطون " الخ .
A E
