A E والمعنى : لا تطمعوا في أن تدافعكم في إلقاء التبعة ينجيكم من العقاب بعد حال إنذاركم بالوعيد من وقت حياتكم فما اكترثتم بالوعيد فلا تلوموا إلا أنفسكم لأن من أنذر فقد أعذر .
فقوله ( وقد قدمت إليكم بالوعيد ) كناية عن عدم الانتفاع بالخصام كون العقاب عدلا من الله .
والباء في ( بالوعيد ) مزيدة للتأكيد كقوله ( وامسحوا برؤوسكم ) .
والمعنى : وقد قدمت إليكم الوعيد قبل اليوم .
والتقديم : جعل الشيء قدام غيره .
والمراد به هنا : كونه سابقا على المؤاخذة بالشرك لأن الله توعدهم بواسطة الرسول صلى الله عليه وسلم .
فالمعنى الأول المكنى عنه بين بجملة ( ما يبدل القول لدي ) أي لست مبطلا ذلك الوعيد وهو القول إذ الوعيد من نوع القول والتعريف للعهد أي فما أوعدتكم واقع لا محالة لأن الله تعهد أن لا يغفر لمن يشرك به ويموت على ذلك .
والمعنى الثاني المكنى عنه بين بجملة ( وما أنا بظلام للعبيد ) أي فلذلك قدمت إليكم الوعيد .
والمبالغة التي في وصف ( ظلام ) راجعة إلى تأكيد النفي . والمراد : لا أظلم شيئا من الظلم وليس المعنى : ما أنا بشديد الظلم كما قد يستفاد من توجه النفي إلى المقيد يفيد أن يتوجه إلى القيد لأن ذلك أغلبي . والأكثر في نفي أمثلة المبالغة أن يقصد بالمبالغة مبالغة النفي قال طرفة : .
ولست بحلال التلاع مخافة ... ولكن متى يسترفد القوم أرفد فإنه لا يريد نفي كثرة حلوله التلاع وإنما أراد كثرة النفي .
وذكر الشيخ في دلائل الإعجاز توجه نفي الشيء المقيد إلى خصوص القيد كتوجه الإثبات سواء ولكن كلام التفتزاني في كتاب المقاصد في أصول الدين في مبحث رؤية الله تعالى أشار إلى استعمالين في ذلك فالأكثر أن النفي يتوجه في مبحث رؤية الله تعالى أشار إلى استعمالين في ذلك فالأكثر أن النفي يتوجه إلى القيد فيكون المنفي القيد وقد يعتبر القيد قيدا للنفي وهذا هو التحقيق .
علي أني أرى أن عد مثل صيغة المبالغة في عداد القيود محل نظر فإن المعتبر من القيود هو ما كان لفظا زائدا على اللفظ المنفي من صفة أو حال أو نحو ذلك ألا ترى أنه لا يحسن أن يقال : لست ظلاما ولكن أظلم ويحسن أن يقال لا آتيك محاربا ولكن مسالما .
وقد أشار في الكشاف إلى أن إيثار وصف ( ظلام ) هنا إيماء إلى أن المنفي لو كان غير منفي لكان ظلما شديدا فيفهم منه أنه لو أخذ الجاني قبل أن يعرف أن عمله جناية لكانت مؤاخذته بها ظلما شديدا . ولعل صاحب الكشاف يرمي إلى مذهبه من استواء السيئات والتعبير بالعبيد دون التعبير بالناس ونحوه لزيادة تقرير معنى الظلم في نفوس الأمة أي لا أظلم ولو كان المظلوم عبدي فإذا كان الله الذي خلق العباد قد جعل مؤاخذة من لم يسبق له تشريع ظلما فما بالك بمؤاخذة الناس بعضهم بعضا بالتبعات دون تقدم إليهم بالنهي من قبل ولذلك يقال : لا عقوبة إلا على عمل فيه قانون سابق قبل فعله .
( يوم يقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد [ 30 ] ) ظرف متعلق ب ( قال لا تختصموا لدي ) . والتقدير : قال لهم في ذلك القول يوم يقول قولا آخر لجهنم ( هل امتلأت ) . ومناسبته تعليقه به أن هذا القول لجهنم مقصود به ترويع المدفوعين إلى جهنم أن لا يطمعوا في أن كثرتهم يضيق بها سعة جهنم فيطمع بعضهم أن يكون ممن لا يوجد له مكان فيها فحكاه الله في القرآن عبرة لمن يسمعه من المشركين وتعليما لأهل القرآن المؤمنين ولذلك استوت قراءة ( يقول ) بالياء وهي لنافع وأبي بكر عن عاصم جريا على مقتضى ظاهر ما سبقه من قوله ( قال لا تختصموا لدي ) . وقراءة الباقين بالنون على الالتفات بل هو التفات تابع لتبديل طريق الإخبار من الحديث عن غائب إلى خطاب حاضر .
والقول الأول حقيقي وهو كلام يصدر من جانب الله بمحض خلقه دون واسطة . فلذلك أسند إلى الله كما يقال القرآن كلام الله .
والاستفهام في ( هل امتلأت ) مستعمل في تنبيه أهل العذاب إلى هذا السؤال على وجه التعريض .
وأما القول لجهنم فيجوز أن يكون حقيقة بأن يخلق الله في أصوات لهيبها أصواتا ذات حروف يلتئم منها كلام ويجوز أن يكون مجازا عن دلالة حالها على أنها تسع ما يلقى فيها من أهل العذاب بأن يكشف باطنها للمعروضين عليها حتى يروا سعتها كقول الراجز :
