حكاية قول القرين بالأسلوب المتبع في حكاية المقاولات في القرآن وهو أسلوب الفصل دون عطف فعل القول على شيء وهو الأسلوب الذي ذكرناه في قوله تعالى ( قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ) الآية في سورة البقرة تشعر بأن في المقام كلاما مطويا هو كلام صاحب القرين طوي للإيجاز ودليله ما تضمنه قول القرين من نفي أن يكون هو أطغى صاحبه إذ قال ( ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد ) . وقد حكي ذلك في سورة ص صريحا بقوله ( هذا فوج مقتحم معكم لا مرحب بهم إنهم صالوا النار وقالوا بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا فبئس القرار قالوا ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار ) . وتقدير المطوي هنا : أن الكافر العنيد لما قدم إلى النار أراد التنصل من كفره وعناده وألقى تبعته على قرينه الذي كان يزين له الكفر فقال : هذا القرين أطغاني فقال قرينه ( ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد ) .
فالقرين هذا هو القرين الذي تقدم ذكره في قوله ( وقال قرينه هذا ما لدي عتيد ) .
والطغيان : تجاوز الحد في التعاظم والظلم والكفر وفعله يائي وواوي يقال : طغي يطغي كرضي وطغا يطغو كدعا .
فمعنى ( ما أطغيته ) ما جعلته طاغيا أي ما أمرته بالطغيان ولا زينته له . والاستدراك ناشئ عن شدة المقارنة بينه وبين قرينه لا سيما إذا كان المراد بالقرين شيطانه المقيض له فإنه قرن به من وقت إدراكه فالاستدراك لدفع توهم أن المقارنة بينهما تقتضي أن يكون ما به من الطغيان بتلقين القرين فهو ينفي ذلك عن نفسه ولذلك أتبع الاستدراك بجملة ( كان في ضلال بعيد ) فأخبر القرين بأن صاحبه ضال من قبل فلم يكن اقترانه معه في التقييض أو في الصحبة بزائد إياه إضلالا وهذا نظير ما حكاه الله عن الفريقين في قوله ( إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ) . وفعل ( كان ) لإفادة أن الضلال ثابت له بالأصالة ملازم لتكوينه .
والبعيد : مستعار للبالغ في قوة النوع حدا لا يبلغ إليه إدراك العاقل بسهولة كما لا يبلغ سير السائر إلى المكان البعيد إلا بمشقة أو بعيد الزمان أي قديم أصيل فيكون تأكيدا لمفاد فعل ( كان ) وقد تقدم عند قوله تعالى ( ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا ) في سورة النساء .
والمعنى : أن تمكن الضلال منه يدل على أنه ليس فيه بتابع لما يمليه غيره عليه لأن شأن التابع في شيء أن لا يكون مكينا فيه مثل علم المقلد وعلم النظار .
( قال لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد [ 28 ] ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد [ 29 ] ) هذا حكاية كلام يصدر يومئذ من جانب الله تعالى للفريقين الذي اتبعوا والذين اتبعوا فالضمير عائد على غير مذكور في الكلام يدل عليه قوله ( فكشفنا عنك غطاءك ) .
وعدم عطف فعل ( قال ) على ما قبله لوقوعه في معرض المقاولة والتعبير بصيغة الماضي لتحقق وقوعه فقد صارت المقاولة بين ثلاث جوانب .
والاختصام : المخاصمة وهو مصدر بصيغة الافتعال التي الأصل فيها أنها لمطاوعة بعض الأفعال فاستعملت للتفاعل مثل : اجتوروا واعتوروا واختصموا .
والنهي عن المخاصمة بينهم يقتضي أن النفوس الكافرة ادعت أن قرناءها أطغوها وأن القرناء تنصلوا من ذلك وأن النفوس أعادت رمي قرنائها بذلك فصار خصاما فلذلك قال الله تعالى ( لا تختصموا لدي ) وطوي ذكره لدلالة ( لا تختصموا ) عليه إيثارا لحق الإيجاز في الكلام .
والنهي عن الاختصام بعد وقوعه بتأويل النهي عن الدوام عليه أي كفوا عن الخصام .
ومعنى النهي أن الخصام في ذلك لا جدوى له لأن استواء الفريقين في الكفر كاف في مؤاخذة كليهما على السواء كما قال تعالى ( قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون ) وذلك كناية عن أن حكم الله عليهم قد تقرر فلا يفيدهم التخاصم لإلقاء التبعة على أحد الفريقين .
ووجه استوائهما في العذاب أن الداعي إلى إضلاله قائم بما اشتهته نفسه من ترويج الباطل دون نظر في الدلائل الوزاعة عنه وأن متلقي الباطل ممن دعاه إليه قائم بما اشتهته نفسه من الطاعة لأئمة الضلال فاستويا في الداعي وترتب أثره .
والواو في ( وقد قدمت ) واو الحال .
والجملة حال من ضمير ( تختصموا ) وهي حال معللة للنهي عن الاختصام
