وقوله ( ملة أبيكم إبراهيم ) زيادة في التنويه بهذا الدين وتحضيض على الأخذ به بأنه اختص بأنه دين جاء به رسولان إبراهيم ومحمد A وهذا لم يستتب لدين آخر وهو معنى قول النبي A : " أنا دعوة أبي إبراهيم " أي بقوله ( ربنا وابعث فيهم رسولا منهم ) . وإذ قد كان هذا هو المقصود فمحمل الكلام أن هذا الدين دين إبراهيم أي أن الإسلام احتوى على دين إبراهيم " E " . ومعلوم أن للإسلام أحكاما كثيرة ولكنه اشتمل على ما لم يشتمل عليه غيره من الشرائع الأخرى من دين إبراهيم جعل كأنه عين ملة إبراهيم فعلى هذا الاعتبار يكون انتصاب ( ملة أبيكم إبراهيم ) على الحال من ( الدين ) باعتبار أن الإسلام حوى ملة إبراهيم .
A E ثم إن كان الخطاب موجها إلى الذين صحبوا النبي A فإضافة أبوة إبراهيم إليهم باعتبار غالب الأمة لأن غالب الأمة يومئذ من العرب المضرية وأما الأنصار فإن نسبهم لا ينتمي إلى إبراهيم " E " لأنهم من العرب القحطانيين ؛ على أن أكثرهم كانت لإبراهيم عليهم ولادة من قبل الأمهات .
وإن كان الخطاب لعموم المسلمين كانت إضافة أبوة إبراهيم لهم على معنى التشبيه في الحرمة واستحقاق التعظيم كقوله تعالى ( وأزواجه أمهاتهم ) ولأنه أبو النبي محمد A ومحمد له مقام الأبوة للمسلمين وقد قرئ قوله تعالى ( وأزواجه أمهاتهم ) بزيادة وهو أبوهم .
ويجوز أن يكون الخطاب للنبي A على طريقة التعظيم كأنه قال : ملة أبيك إبراهيم .
والضمير في ( هو سماكم المسلمين ) عائد إلى الجلالة كضمير ( هو اجتباكم ) فتكون الجملة استئنافا ثانيا أي هو اجتباكم وخصكم بهذا الاسم الجليل فلم يعطه غيركم ولا يعود إلى إبراهيم .
و ( قبل ) إذا بني على الضم كان على تقدير مضاف إليه منوي بمعناه دون لفظه . والاسم الذي أضيف إليه ( قبل ) محذوف . وبني ( قبل ) على الضم إشعارا بالمضاف إليه . والتقدير : من قبل القرآن . والقرينة قوله ( وفي هذا ) أي وفي هذا القرآن .
والإشارة في قوله ( وفي هذا ) إلى القرآن كما في قوله تعالى ( ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين ) أي وسماكم المسلمين في القرآن . وذلك في نحو قوله ( فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ) وقوله ( وأمرت لأن أكون أول المسلمين ) .
واللام في قوله ( ليكون الرسول شهيدا عليكم ) يتعلق بقوله ( اركعوا واسجدوا ) أو بقوله ( اجتباكم ) أي ليكون الرسول أي محمد A شهيدا على الأمة الإسلامية بأنها آمنت به وتكون الأمة الإسلامية شاهدة على الناس أي على الأمم بأن رسلهم بلغوهم الدعوة فكفر بهم الكافرون . ومن جملة الناس القوم الذين كفروا بمحمد A .
وقدمت شهادة الرسول للأمة هنا وقدمت شهادة الأمة في آية البقرة ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ) ؛ لأن آية هذه السورة في مقام التنويه بالدين الذي جاء به الرسول . فالرسول هنا أسبق إلى الحضور فكان ذكر شهادته أهم وآية البقرة صدرت بالثناء على الأمة فكان ذكر شهادة الأمة أهم .
( فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير [ 78 ] ) تفريع على جملة ( هو اجتباكم ) وما بعدها أي فاشكروا الله بالدوام على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والاعتصام بالله .
والاعتصام : افتعال من الصم . وهو المنع من الضر والنجاة قال تعالى ( قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله ) وقال النابغة : .
يظل من خوفه الملاح معتصما ... بالخيزرانة بعد الأين والنجد والمعنى : اجعلوا الله ملجأكم ومنجاكم .
وجملة ( هو مولاكم ) مستأنفة معللة للأمر بالاعتصام بالله لأن المولى يعتصم به ويرجع إليه لعظيم قدرته وبديع حكمته .
والمولى : السيد الذي يراعي صلاح عبده .
وفرع عليه إنشاء الثناء على الله بأنه أحسن مولى وأحسن نصير . أي نعم المدبر لشؤونكم ونعم الناصر لكم . ونصير : صيغة مبالغة في النصر . أي نعم المولى لكم ونعم النصير لكم . وأما الكافرون فلا يتولاهم تولي العناية ولا ينصرهم