ووقوعه عقب ذكر من يعبدون من دون الله أصناما لا تضرهم ولا تنفعهم يدل على أنهم المقصود بالإبطال فإنهم كانوا يحسبون أن ما هم عليه من الضلال هو دين الحق ولذلك صوروا إبراهيم وإسماعيل يستقسمان بالأزلام في الكعبة . فقال النبي A يوم الفتح كذبوا والله إن استقسما بها قط وقرأ ( ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين ) وبهذا الوجه يجعل التعريف في ( الناس ) للاستغراق .
ويجوز أن يراد بالناس العرب خاصة بقرينة الخطاب ويكون المراد تذكيرهم بعهد أبيهم إبراهيم عليه السلام إذ كان هو وأبناؤه وذريتهم على الحنيفية والتوحيد كما قال تعالى ( وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون ) أي في عقبه من العرب فيكون التعريف للعهد .
وجملة ( ولولا كلمة سبقت من ربك ) إخبار بأن الحق واحد وأن ذلك الاختلاف مذموم وأنه لولا أن الله أراد إمهال البشر إلى يوم الجزاء لأراهم وجه الفصل في اختلافهم باستئصال المبطل وإبقاء المحق . وهذه الكلمة أجملت هنا وأشير إليها في سورة الشورى بقوله ( ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم ) .
والأجل : هو أجل بقاء الامم وذلك عند انقراض العالم فالقضاء بينهم إذن مؤخر إلى يوم الحساب . وأصرح من ذلك في بيان معنى ( الكلمة ) قوله في سورة هود ( ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ) وسيأتي بيانها .
وتقديم المجرور في قوله ( فيما فيه يختلفون ) للرعاية على الفاصلة .
( ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه فقل إنما الغيب لله فانتظروا إني معكم من المنتظرين ) عطف على جملة ( ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ) فبعد أن ذكر افتراءهم في جانب الإلهية نفى بهتانهم في جانب النبوة .
والضمير في ( عليه ) عائد للنبي A وإن لم يجر له ذكر قبل ذلك في الآية فإن معرفة المراد من الضمير مغنية عن ذكر المعاد . وقد كان ذكر النبي A بينهم في نواديهم ومناجاتهم في أيام مقامه بينهم بعد البعثة هو شغلهم الشاغل لهم قد أجرى في كلامهم ضمير الغيبة بدون سبق معاد علم المتخاطبون أنه المقصود . ونظير هذا كثير في القرآن .
و ( لولا ) في قوله ( لولا أنزل عليه آية من ربه ) حرف تحضيض وشأن التحضيض أن يواجه به المحضض لأن التحضيض من الطلب وشأن الطلب أن يواجه به المطلوب ولذلك كان تعلق فعل الإنزال بضمير الغائب في هذه الآية مؤولا بأحد وجهين : A E إما أن يكون التفاتا وأصل الكلام : لولا أنزل عليك وهو من حكاية القول بالمعنى كقوله تعالى ( قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة ) أي قل لهم أقيموا ونكتة ذلك نكتة الالتفات لتجديد نشاط السامع .
وإما أن يكون هذا القول صدر منهم فيما بينهم ليبين بعضهم لبعض شبهة على انتفاء رسالة محمد A أو صدر منهم للمسلمين طمعا في أن يردوهم إلى الكفر