وجملة ( سبحانه تعالى ) إنشاء تنزيه فهي منقطعة عن التي قبلها فلذلك فصلت . وتقدم الكلام على نظيره عند قوله ( وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون ) في سورة الأنعام .
و ( ما ) في ( قوله عما يشركون ) مصدرية أي عن إشراكهم أي تعالى عن أن يكون ذلك ثابتا له .
وقرأ حمزة والكسائي وخلف ( تشركون ) بالمثناة الفوقية على أنه من جملة المقول وقرأه الباقون بالتحتية على أنها تعقيب للخطاب بجملة ( قل ) . وعلى الوجهين فهي مستحقة للفصل لكمال الانقطاع .
( وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون ) جملة معترضة بين جملة ( ويعبدون ) وجملة ( ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه ) . ومناسبة الاعتراض قوله ( قل أتنبئون الله بما لا يعلم ) لأن عبادة الأصنام واختراع صفة الشفاعة لها هو من الاختلاف الذي أحدثه ضلال البشر في العقيدة السليمة التي فطر الله الناس عليها في أول النشأة فهي مما يشمله التوبيخ الذي في قوله ( أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض ) وصيغة القصر للمبالغة في تأكيد الخبر لأنه خبر مهم عجيب هو من الحكم العمرانية والحقائق التاريخية بالمكان الأسمى إذ القصر تأكيد على تأكيد باعتبار اشتماله على صيغتي إثبات للمثبت ونفي عما عداه فهو أقوى من تأكيد رد الإنكار ولذلك يؤذن برد إنكار شديد .
وحسن القصر هنا وقوعه عقب الجدال مع الذين غيروا الدين الحق وروجوا نحلتهم بالمعاذير الباطلة كقولهم ( هؤلاء شفعاؤنا عند الله ) وقولهم ( ما نبعدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) بخلاف آية سورة البقرة ( كان الناس أمة واحدة ) فإنها وقعت في سياق المجادلة مع أهل الكتاب لقوله ( سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة ) وأهل الكتاب لا ينكرون أن الناس كانوا أمة واحدة فآية هذه السورة تشير إلى الوحدة الاعتقادية ولذلك عبر عن التفرق الطارئ عليها باعتبار الاختلاف المشعر بالمذمة والمعقب بالتخويف في قوله ( ولولا كلمة سبقت ) إلى آخره وآية سورة البقرة تشير إلى الوحدة الشرعية التي تجمعها الحنيفية الفطرية ولذلك عبر عن التفرق الذي طرأ عليها بأن الله بعث النبيين مبشرين ومنذرين ثم جاء ذكر الاختلاف عرضا عقب ذلك بقوله ( وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ) وأريد به الاختلاف بين أتباع الشرائع لقوله ( وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه ) وتقدم القول في ( كان الناس أمة واحدة ) في سورة البقرة والناس : اسم جمع للبشر وتعريفه للاستغراق . والأمة : الجماعة العظيمة التي لها حال واحد في شيء ما .
A E والمراد هنا أمة واحدة في الدين . والسياق يدل على أن المراد أنها واحدة في الدين الحق وهو التوحيد لأن الحق هو الذي يمكن اتفاق البشر عليه لأنه ناشئ عن سلامة الاعتقاد من الضلال والتحريف . والإنسان لما أنشئ على فطرة كاملة بعيدة عن التكلف . وإنما يتصور ذلك في معرفة الله تعالى دون الأعمال لأنها قد تختلف باختلاف الحاجات فإذا جاز أن يحدث في البشر الضلال والخطأ فلا يكون الضلال عاما على عقولهم فتعين أن الناس في معرفة الله تعالى كانوا أمة واحدة متفقين على التوحيد لأن الله لما فطر الإنسان فطره على عقل سليم موافق للواقع ووضع في عقله الشعور بخالق وبأنه واحد وضعا جبليا كما وضع الإلهامات في أصناف الحيوان . وتأيد ذلك بالوحي لأبي البشر وهو آدم عليه السلام .
ثم إن البشر أدخلوا على عقولهم الاختلاف البعيد عن الحق بسبب الاختلاف الباطل والتخيل والأوهام بالأقيسة الفاسدة . وهذا مما يدخل في معنى قوله ( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) فتعين أن المراد في هذه الآية بكون الناس أمة واحدة الوحدة في الحق وأن المقصود مدح تلك الحالة لأن المقصود من هذه الآية بيان فساد الشرك وإثبات خطأ منتحليه بأن سلفهم الأول لم يكن مثلهم في فساد العقول وقد كان للمخاطبين تعظيم لما كان عليه أسلافهم ولأن صيغة القصر تؤذن بأن المراد إبطال زعم من يزعم غير ذلك