ولكون العامل في الظرف فعلا ماضيا علم أن قولهم هذا واقع في الزمن الماضي فكانت إضافة الظرف المتعلق به إلى جملة فعلها مضارع وهو ( تتلى ) دالة على أن ذلك المضارع لم يرد به الحال أو الاستقبال إذ لا يتصور أن يكون الماضي واقعا في الحال أو الاستقبال فتعين أن اجتلاب الفعل المضارع لمجرد الدلالة على التكرر والتجدد أي ذلك قولهم كلما تتلى عليهم الآيات .
وما صدق ( الذين لا يرجون لقاءنا ) هو ما صدق الضمير في قوله ( عليهم ) فكان المقام للإضمار فما كان الإظهار بالموصولية إلا لأن الذين لا يرجون لقاء الله اشتهر به المشركون فصارت هذه الصلة كالعلم عليهم . كما أشرنا إليه عند قوله آنفا ( إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا ) وليس بين الصلة وبين الخبر هنا علاقة تعليل فلا يكون الموصول للإيماء إلى وجه بناء الخبر .
ولما كان لاقتراحهم معنى صريح وهو الإتيان بقرآن آخر أو تبديل آيات القرآن الموجود ومعنى التزامي كنائي وهو أنه غير منزل من عند الله وان الذي جاء به غير مرسل من الله كان الجواب عن قولهم جوابين أحدهما : ما لقنه الله بقوله ( قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي ) وهو جواب عن صريح اقتراحهم وثانيهما : ما لقنه بقوله ( قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ) وهو جواب عن لازم كلامهم .
وعن مجاهد تسمية أناس ممن قال هذه المقالة وهم خمسة : عبد الله بن أمية والوليد بن المغيرة ومكرز بن حفص وعمرو بن عبد الله بن أبي قيس والعاص ابن عامر قالوا للنبي A ائت بقرآن ليس فيه ترك عبادة الأصنام واللات والعزى ومناة وهبل وليس فيه عيبها .
وقد جاء الجواب عن اقتراحهم كلاما جامعا قضاء لحق الإيجاز البديع وتعويلا على أن السؤال يبين المراد من الجواب فأحسوا بامتناع تبديل القرآن من جهة الرسول A . وهذا جواب كاف لأن التبديل يشمل الإتيان بغيره وتبديل بعض تراكيبه . على أنه إذا كان التبديل الذي هو تغيير كلمات منه وأغراض ممتنعا كان إبطال جميعه والإتيان بغيره أجدر بالامتناع .
وقد جاء الجواب بأبلغ صيغ النفي وهو ( ما يكون لي أن أبدله ) أي ما يكون التبديل ملكا بيدي .
و ( تلقاء ) صيغة مصدر على وزن التفعال . وقياس وزن التفعال الشائع هو فتح التاء وقد شذ عن ذلك تلقاء وتبيان وتمثال بمعنى اللقاء والبيان والمثول فجاءت بكسر التاء لا رابع لها ثم أطلق التلقاء على جهة التلاقي ثم أطلق على الجهة والمكان مطلقا كقوله تعالى ( ولما توجه تلقاء مدين ) . فمعنى ( من تلقاء نفسي ) من جهة نفسي . وهذا المجرور في موضع الحال المؤكدة لجملة ( ما يكون لي أن أبدله ) وهي المسماة مؤكدة لغيرها إذ التبديل لا يكون إلا من فعل المبدل فليست تلك الحال للتقييد إذ لا يجوز فرض أن يبدل من تلقاء الله تعالى التبديل الذي يرومونه فالمعنى أنه مبلغ لا متصرف .
وجملة ( إن أتبع إلا ما يوحى إلي ) تعليل لجملة ( ما يكون لي أن أبدله ) أي ما أتبع إلا الوحي وليس لي تصرف بتغيير . و ( ما ) مصدرية . واتباع الوحي : تبليغ الحاصل به وهو الموصى به .
والاتباع مجاز في عدم التصرف بجامع مشابهة ذلك للاتباع الذي هو عدم تجاوز الاقتفاء في المشي .
واقتضت ( إن ) النافية وأداة الاستثناء قصر تعلق الاتباع على ما أوحى الله وهو قصر إضافي أي لا أبلغ إلا ما أوحي إلي دون أن يكون المتبع شيئا مخترعا حتى أتصرف فيه بالتغيير والتبديل وقرينة كونه إضافيا وقوعه جوابا لرد اقتراحهم .
A E فمن رام أن يحتج بهذا القصر على عدم جواز الاجتهاد للنبي A فقد خرج بالكلام عن مهيعه .
وجملة ( إني أخاف إن عصيت ربي ) الخ في موضع التعليل لجملة ( إن أتبع إلا ما يوحي إلي ) ولذلك فصلت عنها . واقترنت بحرف ( إن ) للاهتمام و ( إن ) تؤذن بالتعليل .
وقوله ( إن عصيت ربي ) أي عصيته بالإتيان بقرآن آخر وتبديله من تلقاء نفسي .
ودل سياق الكلام على أن الإتيان بقرآن آخر غير هذا بمعنى إبطال هذا القرآن وتعويضه بغيره وأن تبديله بمعنى تغيير معاني وحقائق ما اشتمل عليه ممتنع .
ولذلك لم يلقن الرسول A أن يقول هنا : إلا ما شاء الله أو نحو ذلك