والنظر : مستعمل في العلم المحقق لأن النظر أقوى طرق المعرفة فمعنى ( لنظر ) لنعلم أي لنعلم علما متعلقا بأعمالكم . فالمراد بالعلم تعلقه التنجيزي .
و ( كيف ) اسم استفهام معلق لفعل العلم عن العمل وهو منصوب ب ( ننظر ) والمعنى في مثله : لنعلم جواب كيف تعملون قال إياس بن قبيصة : .
وأقبلت والخطى يخطر بيننا ... لأعلم من جبانها من شجاعها أي " لأعلم " جواب من " جبانها " .
وإنما جعل استخلافهم في الأرض علة لعلم الله بأعمالهم كناية عن ظهور أعمالهم في الواقع إن كانت مما يرضي الله أو مما لا يرضيه فإذا ظهرت أعمالهم علمها الله علم الأشياء النافعة وإن كان يعلم أن ذلك سيقع علما أزليا كما أن بيت إياس بن قصيبة معناه ليظهر الجبان من الشجاع . وليس المقصود بتعليل الإقدام حصول علمه بالجبان والشجاع ولكنه كنى بذلك عن ظهور الجبان والشجاع . وقد تقدم نظير هذا في قوله تعالى ( وليعلم إله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء ) في سورة آل عمران .
( وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ) عطف على جملة ( ولو يعجل الله للناس الشر ) الخ لأن ذلك ناشئ عن قولهم ( اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو آيتنا بعذاب أليم ) كما تقدم فذلك أسلوب من أساليب التكذيب . ثم حكي في هذه الآية أسلوب آخر من أساليب تكذيبهم النبي A أن يكون القرآن موحى إليه من الله تعالى فهم يتوهمون أن القرآن وضعه النبي A من تلقاء نفسه ولذلك جعلوا من تكذيبهم أن يقولوا له ( ائت بقرآن غير هذا أو بدله ) إطماعا له بأن يؤمنوا به مغايرا أو مبدلا إذا وافق هواهم .
ومعنى ( غير هذا ) مخالفه . والمراد المخالفة للقرآن كله بالإعراض عنه وابتداء كتاب آخر بأساليب أخرى كمثل كتب قصص الفرس وملاحمهم إذ لا يحتمل كلامهم غير ذلك إذ ليس مرادهم أن يأتي بسور أخرى غير التي نزلت من قبل لأن ذلك حاصل ولا غرض لهم فيه إذا كان معناها من نوع ما سبقها .
ووصف الآيات ب ( بينات ) لزيادة التعجيب من طلبهم تبديلها لا بطلب تبديله إذ لا طمع في خير منه .
والتبديل : التغيير . وقد يكون في الذوات كما تقول : بدلت الدنانير دراهم . ويكون في الاوصاف كما تقول : بدلت الحلقة خاتما . فلما ذكر الإتيان بغيره من قبل تعين أن المراد بالتبديل المعنى الآخر وهو تبديل الوصف فكان المراد بالغير في قولهم ( غير هذا ) كلاما غير الذي جاء به من قبل لا يكون فيه ما يكرهونه ويغيظهم . والمراد بالتبديل أن يعمد إلى القرآن الموجود فيغير الآيات المشتملة على عبارات ذم الشرك بمدحه وعبارات ذم أصنامهم بالثناء عليها وعبارات البعث والنشر بضدها وعبارات الوعيد لهم بعبارات بشارة .
وسموا ما طلبوا الإتيان به قرآنا لأنه عوض عن المسمى بالقرآن فإن القرآن علم على الكتاب الذي جاء به محمد A أي ائت بغير هذا مما تسميه قرآنا .
والضمير في ( بدله ) عائد إلى اسم الإشارة أي أو بدل هذا .
A E وأجمل المراد بالتبديل في الآية لأنه معلوم عند السامعين .
ثم إن قولهم يحتمل أن يكون جدا ويحتمل أن يريدوا به الاستهزاء وعلى الاحتمالين فقد أمر الله نبيه A بأن يجيبهم بما يقلع شبهتهم من نفوسهم إن كانوا جادين أو من نفوس من يسمعونهم من دهمائهم فيحسبوا كلامهم جدا فيترقبوا تبديل القرآن .
وضمير الغيبة في قوله ( وإذا تتلى عليهم ) راجع إلى الناس المراد منهم المشركون أو راجع إلى ( الذين لا يرجون لقاءنا ) في قوله ( إن الذين لا يرجون لقاءنا ) .
وتقديم الظرف في قوله ( إذا تتلى ) على عامله وهو ( قال الذين لا يرجون لقاءنا ) للاهتمام بذكر ذلك الوقت الذي تتلى فيه الآيات عليهم فيقولون فيه هذا القول تعجيبا من كلامهم ووهن أحلامهم