والمعنى : ولو يعجل الله للناس الشر كما يجعل لهم الخير كثيرا فقوله ( استعجالهم ) مصدر مضاف إلى مفعوله لا إلى فاعله وفاعل الاستعجال هو الله تعالى كما دل عليه قوله ( ولو يعجل الله ) .
والباء في قوله ( بالخير ) لتأكيد اللصوق كالتي في قوله تعالى ( وامسحوا برؤوسكم ) . وأصله : استعجالهم الخير فدلت المبالغة بالسين والتاء وتأكيد اللصوق على الامتنان بأن الخير لهم كثير ومكين . وقد كثر اقتران مفعول فعل الاستعجال بهذه الباء ولم ينبهوا عليه في مواقعه المتعددة . وسيجيء في النحل .
وقد جعل جواب ( لو ) قوله ( لقضى إليهم أجلهم ) وشأن جواب ( لو ) أن يكون في حيز الامتناع أي وذلك ممتنع لأن الله قدر لآجال انقراضهم ميقاتا معينا ( ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ) .
والقضاء : التقدير .
والأجل : المدة المعينة لبقاء قوم . والمعنى : لقضي إليهم حلول أجلهم . ولما ضمن ( قضي ) معنى بلغ ووصل عدي ب ( إلى ) . فهذا وجه تفسير الآية وسر نظمها ولا يلتفت إلى غيره في فهمها . وهذا المعنى مثل معنى ( قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم ) في سورة الأنعام .
وجملة ( فنذر الذين لا يرجون لقاءنا ) الخ مفرعة على جملة ( ولو يعجل الله للناس ) إلى آخرها .
وقرأ الجمهور ( لقضي ) بالبناء للنائب ورفع ( أجلهم ) على أنه نائب الفاعل . وقرأه ابن عامر ويعقوب بفتح القاف والضاد ونصب ( أجلهم ) على أن في ( قضى ) ضميرا عائدا إلى اسم الجلالة في قوله ( ولو يجعل الله للناس الشر ) الخ .
وجملة ( فنذر الذين لا يرجون لقاءنا ) مفرعة على جملة ( لو ) وجوابها المفيدة انتفاء أن يعجل الله للناس الشر بانتفاء لازمه وهو بلوغ أجلهم إليهم أي فإذا انتفى التعجيل فنحن نذر الذين لا يرجون لقاءنا يعمهون أي نتركهم في مدة تأخير العذاب عنهم متلبسين بطغيانهم أي فرط تكبرهم وتعاظمهم .
والعمة : عدم البصر .
وإنما لم ينصب الفعل بعد الفاء لأن النصب يكون في جواب النفي المحض وأما النفي المستفاد من ( لو ) فحاصل بالتضمن ولان شأن جواب النفي أن يكون مسببا على المنفي لا على النفي والتفريع هنا على مستفاد من النفي . وأما المنفي فهو تعجيل الشر فهو لا يسبب أن يترك الكافرين يعمهون وبذلك تعرف أن قوله ( فنذر ) ليس معطوفا على كلام مقدر وإنما التقدير تقدير معنى لا تقدير إعراب أي فنترك المنكرين للبعث في ضلالهم استدراجا لهم .
وقوله ( في طغيانهم يعمهون ) تقدم نظيره في قوله ( ويمدهم في طغيانهم يعمهون ) في سورة البقرة . والطغيان : الكفر .
والإتيان بالموصولية في تعريف الكافرين للدلالة على أن الطغيان أشده إنكارهم البعث ولأنه صار كالعلامة عليهم كما تقدم آنفا .
( وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون ) A E عطف على جملة ( ولو يعجل الله للناس الشر ) الآية لأن الغرض الأهم من كلتيهما هو الاعتبار بذميم أحوال المشركين تفظيعا لحالهم وتحذيرا من الوقوع في أمثالها بقرينة تنهية هذه الآية بجملة ( كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون ) . فلما بين في الآية السابقة وجه تأخير عذاب الاستئصال عنهم وإرجاء جزائهم إلى الآخرة بين في هذه الآية حالهم عندما يمسهم شيء من الضر وعندما يكشف الضر عنهم .
فالإنسان مراد به الجنس والتعريف باللام يفيد الاستغراق العرفي أي الإنسان الكافر لأن جمهور الناس حينئذ كافرون إذ كان المسلمون قبل الهجرة لا يعدون بضعة وسبعين رجلا مع نسائهم وأبنائهم الذين هم تبع لهم . وبهذا الاعتبار يكون المنظور إليهم في هذا الحكم هم الكافرون كما في قوله تعالى ( ويقول الإنسان أئذا ما مت لسوف أخرج حيا ) وقوله ( يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك ) . ويأخذ المسلمون من هذا الحكم ما يناسب مقدار ما في آحادهم من بقايا هذه الحال الجاهلية فيفيق كل من غفلته