مجيء حرف العطف في صدر هذه الآية يقتضي في علم البلاغة خصوصية لعطفها على ما قبلها ومزيد اتصالها بما قبلها فتعين إيضاح مناسبة موقعها . والظاهر أن المشركين كانوا من غرورهم يحسبون تصرفات الله كتصرفات الناس من الاندفاع إلى الانتقام عند الغضب اندفاعا سريعا ويحسبون الرسل مبعوثين لإظهار الخوارق ونكاية المعارضين لهم ويسوون بينهم وبين المشعوذين والمتحدين بالبطولة والعجائب فكانوا لما كذبوا النبي A وركبوا رؤوسهم ولم تصبهم بأثر ذلك مصائب من عذاب شامل أو موتان عام ازدادوا غرورا بباطلهم وإحالة لكون الرسول A مرسلا من قبل الله تعالى . وقد دلت آيات كثيرة من القرآن على هذا كقوله ( وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم وقوله يستعجلونك بالعذاب ) وقوله ؟ ( فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم فلا يستعجلون ) وقد بينا ذلك في سورة الأنعام وفي سورة الأنفال .
وكان المؤمنون ربما تمنوا نزول العذاب بالمشركين واستبطأوا مجيء النصر للنبي E وأصحابه كما جاء في الحديث : أن المسلمين قالوا : إلا تستنصر . وربما عجب بعضهم من أن يرزق الله المشركين وهم يكفرون به . فلما جاءت آيات هذه السورة بقوارع التهديد للمشركين أعقبت بما يزيل شبهاتهم ويطمئن نفوس المؤمنين بما يجمعه قوله ( ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم ) .
وهو إجمال ينبئ بأن الله جعل نظام هذا العالم على الرفق بالمخلوقات واستبقاء الأنواع إلى آجال أرادها وجعل لهذا البقاء وسائل الإمداد بالنعم التي بها دوام الحياة فالخيرات المفاضة على المخلوقات في هذا العالم كثيرة والشرور العارضة نادرة ومعظمها مسبب عن أسباب مجعولة في نظام الكون وتصرفات أهله ومنها ما يأتي على خلاف العادة عند محل آجاله التي قدرها الله تعالى بقوله ( لكل أمة أجل وقوله لكل أجل كتاب ) .
فهذه الجملة معطوفة على جملة ( إن الذين لا يرجون لقاءنا ) الآية فحيث ذكر عذابهم الذي هم أيلون إليه ناسب أن يبين لهم سبب تأخير العذاب عنهم في الدنيا لتكشف شبهة غرورهم وليعلم الذين آمنوا حكمة من حكم تصرف الله في هذا الكون . والقرينة على اتصال هذه الجملة بجملة ( إن الذين لا يرجون لقاءنا ) قوله في آخر هذه ( فنذر الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون ) .
فبينت هذه الآية أن الرفق جعله الله مستعمرا على عباده غير منقطع عنهم لأنه أقام عليه نظام العالم إذ أراد ثبات بنائه وأنه لم يقدر توازي الشر في هذا العالم بالخير لطفا منه ورفقا فالله لطيف بعباده وفي ذلك منة عظيمة عليهم وأن الذين يستحقون الشر لو عجل لهم ما استحقوه لبطل النظام الذي وضع عليه العالم .
والناس : اسم عام لجميع الناس ولكن لما كان الكلام على إبطال شبهة المشركين وكانوا المستحقين للشر كانوا أول من يتبادر من عموم الناس كما زاده تصريحا قوله ( فنذر الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون ) .
A E وقد جاء نظم الآية على إيجاز محكم بديع فذكر في جانب الشر ( يعجل ) الدال على أصل جنس التعجيل ولو بأقل ما يتحقق فيه معناه وعبر عن تعجيل الله الخير لهم بلفظ ( استعجالهم ) الدال على المبالغة في التعجيل بما تفيده زيادة السين والتاء لغير الطلب إذ لا يظهر الطلب هنا وهو نحو قولهم : استأخر واستقدم واستجلب واستقام واستبان واستجاب واستمتع واستكبر واستخفى وقوله تعالى ( واستغشوا ثيابهم ) . ومعناه : تعجلهم الخير كما حمله عليه في الكشاف للإشارة إلى أن تعجيل الخير من لدنه .
فليس الاستعجال هنا بمعنى طلب التعجيل لأن المشركين لم يسألوا تعجيل الخير ولا سألوه فحصل بل هو بمعنى التعجل الكثير كما في قول سلمى بن ربيعة : وإذا العذارى بالدخان تقنعت واستعجلت نصب القدور فملت " أي تعجلت " وهو في هذا الاستعمال مثله في الاستعمال الآخر يتعدى إلى مفعول كما في البيت وكما في الحديث ( فاستعجل الموت ) .
وانتصب ( استعجالهم ) على المفعولية المطلقة المفيدة للتشبيه والعامل فيه " يعجل "
