والباء في ( بإيمانهم ) للسببية بحيث إن الإيمان يكون سببا في مضمون الخبر وهو الهداية فتكون الباء لتأكيد السببية المستفادة من التعريف بالموصولية نظير قوله ( إن الذين لا يرجون لقاءنا إلى بما كانوا يكسبون ) في تكوين هدايتهم إلى الخيرات بجعل الله تعالى بأن يجعل الله للإيمان نورا يوضع في عقل المؤمن ولذلك النور أشعة نورانية تتصل بين نفس المؤمن وبين عوالم القدس فتكون سببا مغناطيسيا لانفعال النفس بالتوجه إلى الخير والكمال لا يزال يزداد يوما فيوما ولذلك يقترب من الإدراك الصحيح المحفوظ من الضلال بمقدار مراتب الإيمان والعمل الصالح . وفي الحديث : قد يكون في الأمم محدثون فإن يك في أمتي أحد فعمر بن الخطاب . قال ابن وهب : تفسير محدثون ملهمون الصواب وفي الحديث : اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله . ولأجل هذا النور كان أصحاب النبي A أكمل الناس إيمانا لأنهم لما تلقوا الإيمان عن النبي A كانت أنواره السارية في نفوسهم أقوى وأوسع .
وفي العدول عن اسم الجلالة العلم إلى وصف الربوبية مضافا إلى ضمير ( الذين آمنوا ) تنويه بشأن المؤمنين وشأن هدايتهم بأنها جعل مولى لأولياته فشأنها أن تكون عطية كاملة مشوبة برحمة وكرامة .
والإتيان بالمضارع للدلالة على أن هذه الهداية لا تزال متكررة متجددة .
وفي هذه الجملة ذكر تهيؤ نفوسهم في الدنيا لعروج مراتب الكمال .
وجملة ( تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم ) خبر ثان لذكر ما يحصل لهم من النعيم في الآخرة بسبب هدايتهم الحاصلة لهم في الدنيا . وتقدم القول في نظير ( تجري من تحتها الأنهار ) في سورة البقرة . والمراد من تحت منازلهم . والجنات تقدم . والنعيم تقدم في قوله تعالى ( لهم فيها نعيم مقيم ) في سورة براءة .
وجملة ( دعواهم فيها سبحانك اللهم ) وما عطف عليها أحوال من ضمير ( الذين آمنوا ) .
A E والدعوى : هنا الدعاء . يقال : دعوة بإلهاء ودعوى بألف التأنيث .
وسبحان : مصدر بمعنى التسبيح أي التنزيه . وقد تقدم عند قوله تعالى ( قالوا سبحانك لا علم لنا ) في سورة البقرة .
و ( اللهم ) نداء لله تعالى فيكون إطلاق الدعاء على هذا التسبيح من أجل أنه أريد به خطاب الله لإنشاء تنزيهه فالدعاء فيه بالمعنى اللغوي . ويجوز أن تكون تسمية هذا التسبيح دعاء من حيث إنه ثناء مسوق للتعرض إلى إفاضة الرحمات والنعيم كما قال أمية بن أبي الصلت : .
إذا أثنى عليك المرء يوما ... كفاه عن تعرضه الثناء واعلم أن الاقتصار على كون دعواهم فيها كلمة ( سبحانك اللهم ) يشعر بأنهم لا دعوى لهم في الجنة غير ذلك القول لأن الاقتصار في مقام البيان يشعر بالقصر " وإن لم يكن هو من طرق القصر لكنه يستفاد من المقام " ولكن قوله ( وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ) يفيد أن هذا التحميد من دعواهم فتحصل من ذلك أن لهم دعوى وخاتمة دعوى .
ووجه ذكر هذا في عدد أحوالهم أنها تدل على أن ما هم فيه من النعيم هو غايات الراغبين بحيث إن أرادوا أن ينعموا بمقام دعاء ربهم الذي هو مقام القرب لم يجدوا أنفسهم مشتاقين لشيء يسألونه فاعتاضوا عن السؤال بالثناء على ربهم فألهموا إلى التزام التسبيح لأنه أدل لفظ على التمجيد والتنزيه فهو جامع للعبارة عن الكمالات .
والتحية : اسم جنس لما يفاتح به عند اللقاء من كلمات التكرمة . وأصلها مشتقة من مصدر حياه إذا قال له عند اللقاء أحياك الله . ثم غلبت في كل لفظ يقال عند اللقاء كما غلب لفظ السلام فيشمل : نحو حياك الله وعم صباحا وعم مساء وصبحك الله بخير وبت بخير . وتقدم الكلام عليها عند قوله تعالى ( وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها ) في سورة النساء .
ولهذا أخبر عن تحيتهم بأنها سلام أي لفظ سلام إخبارا عن الجنس بفرد من أفراده أي جعل الله لهم لفظ السلام تحية لهم