وفي الآية إشارة إلى أن البهجة بالحياة الدنيا والرضي بها يكون مقدار التوغل فيهما بمقدار ما يصرف عن الاستعداد إلى الحياة الآخرة . وليس ذلك بمقتض الإعراض عن الحياة الدنيا فإن الله أنعم على عباده بنعم كثيرة فيها وجب الاعتراف بفضله بها وشكره عليها والتعرف بها إلى مراتب أعلى هي مراتب حياة أخرى والتزود لها . وفي ذلك مقامات ودرجات بمقدار ما تهيأت له النفوس العالية من لذات الكمالات الروحية وأعلاها مقام قول النبي A " فقلت ما لي وللدنيا " .
والاطمئنان : السكون يكون في الجسد وفي النفس وهو الأكثر قال تعالى : ( يا أيتها النفس المطمئنة ) . وقد تقدم تصريف هذا الفعل عند قوله تعالى ( ولكن ليطمئن قلبي ) في سورة البقرة .
ومعنى ( اطمأنوا بها ) سكنت أنفسهم وصرفوا هممهم في تحصيل منافعها ولم يسعوا لتحصيل ما ينفع في الحياة الآخرة لأن السكون عند الشيء يقتضي عدم التحرك لغيره . وعن قتادة : إذا شئت رأيت هذا الموصوف صاحب دنيا لها يرضى ولها يغضب ولها يفرح ولها يهتم ويحزن .
والذين هم غافلون هم عين الذين لا يرجون اللقاء ولكن أعيد الموصول للاهتمام بالصلة والإيماء إلى أنها وحدها كافية في استحقاق ما سيذكر بعدها من الخبر . وإنما لم يعد الموصول في قوله ( ورضوا بالحياة الدنيا ) لأن الرضى بالحياة الدنيا من تكملة معنى الصلة التي في قوله ( إن الذين لا يرجون لقاءنا ) .
A E والمراد بالغفلة : إهمال النظر في الآيات أصلا بقرينة المقام والسياق وبما تومئ إليه الصلة بالجملة الاسمية ( هم عن آياتنا غافلون ) الدالة على الدوام وبتقديم المجرور في قوله عن ( آياتنا غافلون ) من كون غفلتهم غفلة عن آيات الله خاصة دون غيرها من الأشياء فليسوا من أهل الغفلة عنها مما يدل مجموعه على أن غفلتهم عن آيات الله دأب لهم وسجية وأنهم يعتمدونها فتؤول إلى معنى الإعراض عن آيات الله وإباء النظر فيها عنادا ومكابرة . وليس المراد من تعرض له الغفلة عن بعض الآيات في بعض الأوقات .
وأعقب ذلك باسم الإشارة لزيادة إحضار صفاتهم في أذهان السامعين ولما يؤذن به مجيء اسم الإشارة مبتدأ عقب أوصاف من التنبيه على أن المشار إليه جدير بالخبر من أجل تلك الأوصاف كقوله تعالى ( أولئك على هدى من ربهم ) في سورة البقرة .
والمأوى : اسم مكان الإيواء أي الرجوع إلى مصيرهم ومرجعهم .
والباء للسببية . والإتيان ب ( ما ) الموصولة في قوله ( بما كسبوا ) للإيماء إلى علة الحكم أي أن مكسوبهم سبب في مصيرهم إلى النار فأفاد تأكيد السببية المفادة بالباء .
والإتيان ب ( كان ) للدلالة على أن هذا المكسوب ديدنهم .
والإتيان بالمضارع للدلالة على التكرير فيكون ديدنهم تكرير ذلك الذي كسبوه .
( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ) جاءت هذه الجملة مستأنفة استئنافا بيانيا لتكون أحوال المؤمنين مستقلة بالذكر غير تابعة في اللفظ لأحوال الكافرين وهذا من طرق الاهتمام بالخبر . ومناسبة ذكرها مقابلة أحوال الذين يكذبون بلقاء الله بأضدادها تنويها بأهلها وإغاضة للكافرين .
وتعريف المسند إليه بالموصولية هنا دون اللام للإيماء بالموصول إلى علة بناء الخبر وهي أن إيمانهم وعملهم هو سبب حصول مضمون الخبر لهم .
والهداية : الإرشاد على المقصد النافع والدلالة عليه . فمعنى ( يهديهم ربهم ) يرشدهم إلى ما فيه خيرهم . والمقصود الإرشاد التكويني أي يخلق في نفوسهم المعرفة بالأعمال النافعة وتسهيل الإكثار منها . وأما الإرشاد الذي هو الدلالة بالقول والتعليم فالله يخاطب به المؤمنين والكافرين