( إن في اختلف الليل والنهار وما خلق الله في السماوات والأرض لآيات لقوم يتقون ) استدلال آخر على انفراد الله تعالى بالخلق والتقدير . وهو استدلال بأحوال الضوء والظلمة وتعاقب الليل والنهار وفي ذلك عبرة عظيمة . وهو بما فيه من عطف قوله ( وما خلق الله في السماوات والأرض ) أعم من الدليل الاول لشموله ما هو أكثر من خلق الشمس والقمر ومن خلق الليل والنهار ومن كل ما في الأرض والسماء مما تبلغ إليه معرفة الناس في مختلف العصور وعلى تفاوت مقادير الاستدلال من عقولهم .
وتأكيد هذا الاستدلال بحرف ( إن ) لأجل تنزيل المخاطبين به الذين لم يهتدوا بتلك الدلائل إلى التوحيد منزلة من ينكر أن في ذلك آيات على الوحدانية بعدم جريهم على موجب العلم .
وتقدم القول في شبيهة هذه الآية وهو قوله ( إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر ) الآية في سورة البقرة وفي خواتم سورة آل عمران .
وشمل قوله ( وما خلق الله ) الأجسام والأحوال كلها .
A E وجعلت الآيات هنا لقوم يتقون وفي آية البقرة لقوم يعقلون وفي آية آل عمران لأولي الألباب لأن السياق هنا تعريض بالمشركين الذين لم يهتدوا بالآيات ليعلموا أن بعدهم عن التقوى هو سبب حرمانهم من الانتفاع بالآيات وأن نفعها حاصل للذين يتقون أي يحذرون الضلال . فالمتقون هم المتصفون باتقاء ما يوقع في الخسران فيبعثهم على تطلب أسباب النجاح فيتوجه الفكر إلى النظر والاستدلال بالدلائل . وقد مر تعليل ذلك عند قوله تعالى ( هدى للمتقين ) في أول البقرة على أنه قد سبق قوله في الآية قبلها ( نفصل الآيات لقوم يعلمون ) وأما آية البقرة وآية آل عمران فهما واردتان في سياق شامل للناس على السواء . وذكر لفظ ( قوم ) تقدم في الآية قبل هذه .
( إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون ) هذا استئناف وعيد للذين لم يؤمنوا بالبعث ولا فكروا في الحياة الآخرة ولم ينظروا في الآيات نشأ عن الاستدلال على ما كفروا به من ذلك جمعا بين الاستدلال المناسب لأهل العقول وبين الوعيد المناسب للمعرضين عن الحق إشارة إلى أن هؤلاء لا تنفعهم الأدلة وإنما ينتفع بها الذين يعلمون ويتقون وأما هؤلاء فهم سادرون في غلوائهم حتى يلاقوا العذاب . وإذ قد تقرر الرجوع إليه للجزاء تأتى الوعيد لمنكري البعث الذين لا يرجون لقاء ربهم والمصير إليه .
ولوقوع هذه الجملة موقع الوعيد الصالح لأن يعلمه الناس كلهم مؤمنهم وكافرهم عدل فيها عن طريقة الخطاب بالضمير إلى طريقة الإظهار وجيء بالموصولية للإيماء إلى أن الصلة علة في حصول الخبر .
وقد جعل عنوان الذين لا يرجون لقاءنا علامة عليهم فقد تكرر وقوعه في القرآن . ومن المواقع ما لا يستقيم فيه اعتبار الموصولية إلا للاشتهار بالصلة كما سنذكر عند قوله تعالى ( وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا ) في هذه السورة .
والرجاء : ظن وقوع الشيء من غير تقييد كون المظنون محبوبا وإن كان ذلك كثيرا في كلامهم لكنه ليس بمتعين . فمعنى ( لا يرجون لقاءنا ) لا يظنونه ولا يتوقعونه .
ومعنى ( رضوا بالحياة الدنيا ) أنهم لم يعملوا النظر في حياة أخرى أرقى وأبقى لأن الرضا بالحياة الدنيا والاقتناع بأنها كافية يصرف النظر عن أدلة الحياة الآخرة وأهل الهدى يرون الحياة الدنيا حياة ناقصة فيشعرون بتطلب حياة تكون أصفى من أكدارها فلا يلبثون أن تطلع لهم أدلة وجودها وناهيك بإخبار الصادق بها ونصب الأدلة على تعين حصولها فلهذا جعل الرضي بالحياة الدنيا مذمة وملقيا في مهواة الخسران
