وهذه المنازل أمارتها أنجم مجتمعة على شكل لا يختلف فوضع العلماء السابقون لها أسماء . وهذه أسماؤها في العربية على ترتيبها في الطلوع عند الفجر في فصول السنة . والعرب يبتدئون ذكرها بالشرطان وهكذا وذلك باعتبار حلول القمر كل ليلة في سمت منزلة من هذه المنازل فأول ليلة من ليالي الهلال للشرطان وهكذا . وهذه أسماؤها مرتبة على حسب تقسيمها على فصول السنة الشمسية . وهي العواء السماك الاعزل الغفر الزباني الاكليل القلب الشولة النعائم البلدة سعد الذابح سعد بلع سعد السعود سعد الأخبية الفرغ الأعلى الفرغ الأسفل الحوت الشرطان البطين الثريا الدبران الهقعة الهنعة ذراع الاسد النثرة الطرف الجبهة الزبرة الصرفة .
وهذه المنازل منقمسة على البروج الاثني عشر التي تحل فيها الشمس في فصول السنة فلكل برج من الاثني عشر برجا منزلتان وثلث وهذا ضابط لمعرفة نجومها ولا علاقة له باعتبارها منازل للقمر .
وقد أنبأنا الله بعلة تقديره القمر منازل بأنها معرفة الناس عدد السنين والحساب أي عدد السنين بحصول كل سنة باجتماع اثني عشر .
والحساب : مصدر حسب بمعنى عد . وهو معطوف على ( عدد ) أي ولتعلموا الحساب . وتعريفه للعهد أي والحساب المعروف . والمراد به حساب الأيام والأشهر لأن حساب السنين قد ذكر بخصوصه . ولما اقتصر في هذه الآية على معرفة عدد السنين تعين أن المراد بالحساب حساب القمر لأن السنة الشرعية قمرية ولأن ضمير ( قدره ) عائد على ( القمر ) وإن كان للشمس حساب آخر وهو حساب الفصول . وقد تقدم في قوله تعالى ( والشمس والقمر حسبانا ) .
A E فمن معرفة الليالي تعرف الأشهر ومن معرفة الأشهر تعرف السنة . وفي ذلك رفق بالناس في ضبط أمورهم وأسفارهم ومعاملات أموالهم وهو أصل الحضارة . وفي هذه الآية إشارة إلى أن معرفة ضبط التاريخ نعمة أنعم الله بها على البشر .
وجملة ( ما خلق الله ذلك إلا بالحق ) مستأنفة كالنتيجة للجملة السابقة كلها لأنه لما أخبر بأنه الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وذكر حكمة بعض ذلك أفضى إلى الغرض من ذكره وهو التنبيه إلى ما فيها من الحكمة ليستدل بذلك على أن خالقهما فاعل مختار حكيم ليستفيق المشركون من غفلتهم عن تلك الحكم كما قال تعالى في هذه السورة ( والذين هم عن آياتنا غافلون ) .
والباء للملابسة . و ( الحق ) هنا مقابل للباطل . فهو بمعنى الحكمة والفائدة لأن الباطل من إطلاقاته أن يطلق على العبث وانتفاء الحكمة فكذلك الحق يطلق على مقابل ذلك . وفي هذا رد على المشركين الذين لم يهتدوا لما في ذلك من الحكمة الدالة على الوحدانية وأن الخالق لها ليس إلهتهم . قال تعالى ( وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا ) . وقال ( وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون ) .
ولذلك أعقب هذا التنبيه بجملة ( نفصل الآيات لقوم يعلمون ) فهذه الجملة مستأنفة ابتدائية مسوقة للامتنان بالنعمة ولتسجيل المؤاخذة على الذين لم يهتدوا بهذه الدلائل إلى ما تحتوي عليه من البيان . ويجوز أن تكون الجملة في موضع الحال من اسم الجلالة في قوله ( ما خلق الله ذلك إلا بالحق ) . فعلى قراءة ( نفصل ) بالنون وهي لنافع والجمهور ورواية عن ابن كثير ففي ضمير صاحب الحال التفات وعلى قراءة ( يفصل ) بالتحتية وهي لابن كثير في المشهور عنه وأبي عمرو وابن عامر ويعقوب أمرها ظاهر .
والتفصيل : التبيين لأن التبيين يأتي على فصول الشيء كلها . وقد تقدم عند قوله تعالى ( وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين ) في سورة الأنعام .
والإتيان بالفعل المضارع لإفادة التكرار .
وجعل التفصيل لأجل قوم يعلمون أي الذين من شأنهم العلم لما يؤذن به المضارع من تجدد العلم وإنما يتجدد لمن هو ديدنه ودأبه فإن العلماء أهل العقول الراجحة هم أهل الانتفاع بالأدلة والبراهين .
وذكر لفظ ( قوم ) إيماء إلى أنهم رسخ فيهم وصف العلم فكان من مقومات قوميتهم كما تقدم في قوله ( لآيات لقوم يعقلون ) في سورة البقرة . وفي هذا تعريض بأن الذين لم ينتفعوا بتفصيل الآيات ليسوا من الذين يعلمون ولا ممن رسخ فيهم العلم
