ونكتة تغيير الأسلوب حيث لم يعطف جزاء الكافرين على جزاء المؤمنين فيقال : ويجزى الذين كفروا بعذاب الخ كما في قوله ( لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين ) هو الإشارة إلى الاهتمام بجزاء المؤمنين الصالحين وأنه الذي يبادر بالإعلام به وأن جزاء الكافرين جدير بالإعراض عن ذكره لولا سؤال السامعين .
( هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق نفصل الآيات لقوم يعلمون ) هذا استئناف ابتدائي أيضا فضمير ( هو ) عائد إلى اسم الجلالة في قوله ( إن ربكم الله ) . وهذا استدلال آخر على انفراده تعالى بالتصرف في المخلوقات وهذا لون آخر من الاستدلال على الإلهية ممزوج بالامتنان على المحجوجين به لأن الدليل السابق كان متضمنا لعظيم أمر الخلق وسعة العلم والقدرة بذكر أشياء ليس للمخاطبين حظ في التمتع بها . وهذا الدليل قد تضمن أشياء يأخذ المخاطبون بحظ عظيم من التمتع بها وهو خلق الشمس والقمر على صورتهما وتقدير تنقلاتهما تقديرا مضبوطا ألهم الله البشر للانتفاع به في شؤون كثير من شؤون حياتهم .
A E فجعل الشمس ضياء لانتفاع الناس بضيائها في مشاهدة ما تهمهم مشاهدته بما به قوام أعمال حياتهم في أوقات أشغالهم . وجعل القمر نورا للانتفاع بنوره انتفاعا مناسبا للحاجة التي قد تعرض إلى طلب رؤية الأشياء في وقت الظلمة وهو الليل . ولذلك جعل نوره أضعف لينفع به بقدر ضرورة المنتفع فمن لم يضطر إلى الانتفاع به لا يشعر بنوره ولا يصرفه ذلك عن سكونه الذي جعل ظلام الليل لحصوله ولو جعلت الشمس دائمة الظهور للناس لاستووا في استدامة الانتفاع بضيائها فيشغلهم ذلك عن السكون الذي يستجدون به ما فتر من قواهم العصبية التي بها نشاطهم وكمال حياتهم .
والضياء : النور الساطع القوي لأنه يضيء للرائي . وهو اسم مشتق من الضوء وهو النور الذي يوضح الأشياء فالضياء أقوى من الضوء .
وياء ( ضياء ) منقلبة عن الواو لوقوع الواو إثر كسرة الضاد فقلبت ياء للتخفيف .
والنور : الشعاع وهو مشتق من اسم النار وهو أعم من الضياء يصدق على الشعاع الضعيف والشعاع القوي فضياء الشمس نور ونور القمر ليس بضياء . هذا هو الأصل في إطلاق هذه الأسماء ولكن يكثر في كلام العرب إطلاق بعض هذه الكلمات في موضع بعض آخر بحيث يعسر انضباطه .
ولما جعل النور في مقابلة الضياء تعين أن المراد به نور ما .
وقوله ( ضياء ) و ( نورا ) حالان مشيران إلى الحكمة والنعمة في خلقهما . والتقدير : جعل الأشياء على مقدار عند صنعها .
والضمير المنصوب في ( قدره ) : إما عائد إلى النور فتكون المنازل بمعنى المراتب وهي مراتب نور القمر في القوة والضعف التابعة لما يظهر للناس نيرا من كرة القمر كما في قوله تعالى ( والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم ) . أي حتى نقص نوره ليلة بعد ليلة فعاد كالعرجون البالي . ويكون ( منازل ) في موضع الحال من الضمير المنصوب في ( قدره ) فهو ظرف مستقر أي تقديرا على حسب المنازل فالنور في كل منزلة له قدر غير قدره الذي في منزلة أخرى . وإما عائد إلى ( القمر ) على تقدير مضاف أي وقدر سيره فتكون ( منازل ) منصوبا على الظرفية .
والمنازل : جمع منزل وهو مكان النزول . والمراد بها هنا المواقع التي يظهر القمر في جهتها كل ليلة من الشهر . وهي ثمان وعشرون منزلة على عدد ليالي الشهر القمري . وإطلاق اسم المنازل عليها مجاز بالمشابهة وإنما هي سموت يلوح للناس القمر كل ليلة في سمت منها كأنه ينزل بها . وقد رصدها البشر فوجدوها لا تختلف .
وعلم المهتدون منهم أنها ما وجدت على ذلك النظام الا بصنع الخالق الحكيم
