وأما همهم بإخراج الرسول فظاهره أنه هم حصل مع نكث أيمانهم وأن المراد إخراج الرسول من المدينة أي نفيه عنها إخراجه من مكة أمر قد مضى منذ سنين ولأن إلجاءه إلى القتال لا يعرف إطلاق الإخراج عليه فالظاهر أن همهم هذا أضمروه في أنفسهم وعلمه الله تعالى ونبه المسلمين إليه . وهو أنهم لما نكثوا العهد طمعوا في إعادة القتال وتوهموا أنفسهم منصورين وأنهم إن انتصروا أخرجوا الرسول E من المدينة .
A E ( والهم ) هو العزم على فعل شيء سواء فعله أم انصرف عنه . ومؤاخذتهم في هذه الآية على مجرد الهم بإخراج الرسول تدل على أنهم لم يخرجوه وإلا لكان الأجدر أن ينعى عليهم الإخراج لا الهم به كما في قوله ( إذ أخرجه الذين كفروا ) وتدل على أنهم لم يرجعوا عما هموا به إلا لما حيل بينهم وبين تنفيذه فعن الحسن : هموا بإخراج الرسول من المدينة حين غزوه في أحد وحين غزوا غزوة الأحزاب أي فكفاه الله سوء ما هموا به ولا يجوز أن يكون المراد إخراجه من مكة للهجرة لأن ذلك قد حدث قبل انعقاد العهد بينهم وبين المسلمين في الحديبية فالوجه عندي : أن المعني بالذين هموا بإخراج الرسول قبائل كانوا معاهدين للمسلمين فنكثوا العهد سنة ثمان يوم فتح مكة وهموا بنجدة أهل مكة يوم الفتح والغدر بالنبي E والمسلمين وأن يأتوهم وهم غارون فيكونوا هم وقريش ألبا واحدا على المسلمين فيخرجون الرسول A والمسلمين من مكة ولكن الله صرفهم عن ذلك بعد أن هموا وفضح دخيلتهم للنبي A وأمره بقتالهم ونبذ عهدهم في سنة تسع ولا ندري أقاتلهم النبي A بعد نزول هذه الآية أم كان إعلان الأمر بقتالهم " وهم يعلمون أنهم المراد بهذا الأمر " سببا في إسلامهم وتوبة الله عليهم تحقيقا للرجاء الذي في قوله ( لعلهم ينتهون ) ولعل بعض هؤلاء كانوا قد أعلنوا الحرب على المسلمين يوم الفتح ناكثين العهد وأمدوا قريشا بالعدد فلما لم تنشب حرب بين المسلمين والمشركين يومئذ أيسوا من نصرتهم فرجعوا إلى ديارهم وأغضى النبي A عنهم فلم يؤاخذهم بغدرهم وبقي على مراعاة ذلك العهد فاستمر إلى وقت نزول هذه الآية وذلك قوله ( وهم بدأوكم أول مرة ) أي كانوا البادئين بالنكث وذلك أن قريشا انتصروا لأحلافهم من كنانة فقاتلوا خزاعة أحلاف المسلمين .
و ( أول مرة ) نصب على المصدرية وإضافة ( أول ) إلى ( مرة ) من إضافة الصفة إلى الموصوف . والتقدير : مرة أولى والمرة الوحدة من حدث يحدث فمعنى ( بدأوكم أول مرة ) بدأوكم أول بدء بالنكث أي بدءا أول ؛ فالمرة اسم مبهم للوحدة من فعل ما والأغلب أن يفسر إبهامه بالمقام كما هنا وقد يفسره اللفظ .
وأول اسم تفضيل جاء بصيغة التذكير وإن كان موصوفه مؤنثا لفظا لأن اسم التفضيل إذا أضيف إلى نكرة يلازم الإفراد والتذكير بدلالة المضاف إليه ويقال : ثاني مرة وثالث مرة .
والمقصود من هذا الكلام تهديدهم على النكث الذي أضمروه وأنه لا تسامح فيه . وعلى كل فالمقصود من إخراج الرسول E : إما إخراجه من مكة منهزما بعد أن دخلها ظافرا وإما إخراجه من المدينة بعد أن رجع إليها عقب الفتح بأن يكونوا قد هموا بغزو المدينة وإخراج الرسول والمسلمين منها وتشتيت جامعة الإسلام .
وجملة ( أتخشونهم ) بدل اشتمال من جملة ( ألا تقاتلون ) فالاستفهام فيها إنكار أو تقرير على سبب التردد في قتالهم فالتقدير : أينتفي قتالكم إياهم لخشيكم إياهم وهذا زيادة في التحريض على قتالهم .
وفرع على هذا التقرير جملة ( فالله أحق أن تخشوه ) أي فالله الذي أمركم بقتالهم أحق أن تخشوه إذا خطر في نفوسكم خاطرا عدم الامتثال لأمره إن كنتم مؤمنين لأن الإيمان يقتضي الخشية من الله وعدم التردد في نجاح الامتثال له .
وجيء بالشرط المتعلق بالمستقبل مع أنه لا شك فيه لقصد إثارة همتهم الدينية فيبرهنوا على أنهم مؤمنون حقا يقدمون خشية الله على خشية الناس .
( قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم )
