وذكر طعنهم في دين المسلمين ينبئ بان ذلك الطعن كان من دأبهم في مدة المعاهدة فأريد صدهم عن العود إليه . ولم أقف على أنه كان مشروطا على المشركين في عقود المصالحة والمعاهدة مع المسلمين أن لا يطعنوا في الإسلام في غير هذه الآية فكان هذا شرطا عليهم من بعد لأن المسلمين أصبحوا في قوة .
وقوله ( فقاتلوا أئمة الكفر ) أمر للوجوب .
وجملة ( لعلهم ينتهون ) يجوز أن تكون تعليلا لجملة ( فقاتلوا أئمة الكفر ) أي قتالهم لرجاء أن ينتهوا وظاهر أن القتال يفني كثيرا منهم فالانتهاء المرجو انتهاء الباقين أحياء بعد أن تضع الحرب أوزارها .
A E ولم يذكر متعلق فعل ( ينتهون ) ولا يحتمل أن يكون الانتهاء عن نكث العهد لأن عهدهم لا يقبل بعد أن نكثوا لقول الله تعالى ( إنهم لا أيمان لهم ) ولا أن يكون الانتهاء عن الطعن في الدين لأنه إن كان طعنهم في ديننا حاصلا في مدة قتالهم فلا جدوى لرجاء انتهائهم عنه وإن كان بعد أن تضع الحرب أوزارها فإنه لا يستقيم إذ لا غاية لتنهية القتل بين المسلمين وبينهم فتعين أن المراد : لعلهم ينتهون عن الكفر .
ويجوز أن تكون الجملة استئنافا ابتدائيا لا اتصال لها بجملة ( وإن نكثوا أيمانهم ) الآية بل ناشئة عن قوله ( فإن تابوا وأقاموا الصلاة إلى قوله أئمة الكفر ) .
والمعنى : المرجو أنهم ينتهون عن الشرك ويسلمون وقد تحقق ذلك فإن هذه الآية نزلت بعد فتح مكة وبعد يوم حنين ولم يقع نكث بعد ذلك ودخل المشركون في الإسلام أفواجا في سنة الوفود .
( ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدءوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين ) تحذير من التواني في قتالهم عدا ما استثني منهم بعد الأمر بقتلهم وأسرهم وحصارهم وسد مسالك النجدة في وجوههم بقوله ( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم إلى قوله كل مرصد ) . وبعد أن أثبتت لهم ثمانية خلال تغري بعدم الهوادة في قتالهم وهي قوله ( كيف يكون للمشركين عهد ) وقوله ( كيف وإن يظهروا عليكم ) وقوله ( يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم ) وقوله ( وأكثرهم فاسقون ) وقوله ( اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا ) وقوله ( لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة ) وقوله ( وأولئك هم المعتدون ) وقوله ( أنهم لا أيمان لهم ) .
فكانت جملة ( ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم ) تحذيرا من التراخي في مبادرتهم بالقتال .
ولفظ ( ألا ) يحتمل أن يكون مجموع حرفين : هما همزة الاستفهام و " لا " النافية ويحتمل أن يكون حرفا واحدا للتحضيض مثل قوله تعالى ( ألا تحبون أن يغفر الله لكم ) . فعلى الاحتمال الأول يجوز أن يكون الاستفهام إنكاريا على انتفاء مقاتلة المشركين وهو ما ذهب إليه البيضاوي فيكون دفعا لأن يتوهم المسلمون حرمة لتلك العهود ويجوز أن يكون الاستفهام تقريريا وهو ظاهر ما حمله عليه صاحب الكشاف تقريرا على النفي تنزيلا لهم منزلة من ترك القتال فاستوجب طلب إقراره بتركه قال في الكشاف : ومعناه الحض على القتال على سبيل المبالغة . وفي مغني اللبيب أن ( ألا ) التي للاستفهام عن النفي تختص بالدخول على الجملة الاسمية وسلمه شارحاه ولا يخفى أن كلام الكشاف ينادي على خلافه .
وعلى الاحتمال الثاني أن يكون ( ألا ) حرفا واحدا للتحضيض فهو تحضيض على القتال . وجعل في المغني هذه الآية مثالا لهذا الاستعمال على طريقة المبالغة في التحذير ولعل موجب هذا التفنن في التحذير من التهاون بقتالهم مع بيان استحقاقهم إياه : أن كثيرا من المسلمين كانوا قد فرحوا بالنصر يوم فتح مكة ومالوا إلى اجتناء ثمرة السلم بالإقبال على إصلاح أحوالهم وأموالهم فلذلك لما أمروا بقتال هؤلاء المشركين كانوا مظنة التثاقل عنه خشية الهزيمة بعد أن فازوا بسمعة النصر . وفي قوله عقبه ( أتخشونهم ) ما يزيد هذا وضوحا .
أما نكثهم أيمانهم فظاهر مما تقدم عند قوله تعالى ( إلا الذين عاهدتم من المشركين ) وقوله ( إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم ) الآية . وذلك نكثهم عهد الحديبية إذ أعانوا بني بكر على خزاعة وكانت خزاعة من جانب عهد المسلمين كما تقدم
