وضمير ( يظهروا ) عائد إلى المشركين في قوله ( كيف يكون للمشركين عهد عند الله ) ومعنى ( إن يظهروا ) إن ينتصروا . وتقدم بيان هذا الفعل آنفا عند قوله تعالى ( ولم يظاهروا عليكم أحدا ) . والمعنى : لو انتصر المشركون بعد ضعفهم وبعد أن جربوا من العهد أنه كان سببا في قوتكم لنقضوا العهد . وضمير عليكم خطاب للمؤمنين .
ومعنى ( لا يرقبوا ) لا يوفوا ولا يراعوا يقال : رقب الشيء إذا نظر إليه نظر تعهد ومراعاة ومنه سمي الرقيب وسمي المرقب مكان الحراسة وقد أطلق هنا على المراعاة والوفاء بالعهد لأن من أبطل العمل بشيء فكأنه لم يره وصرف نظره عنه .
والإل : الحلف والعهد ؛ ويطلق الإل على النسب والقرابة . وقد كانت بين المشركين وبين المسلمين أنساب وقرابات فيصح أن يراد هنا كلا معنييه .
والذمة ما يمت به من الأواصر من صحبة وخلة وجوار مما يجب في المرؤءة أن يحفظ ويحمى يقال : في ذمتي كذا أي ألتزم به وأحفظه .
A E ( يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون ) استئناف ابتدائي أي هم يقولون لكم ما يرضيكم كيدا ولو تمكنوا منكم لم يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة . من يسمع كلاما فيأباه .
والإباية : الامتناع من شيء مطلوب وإسناد الإباية إلى القلوب استعارة فقلوبهم لما نوت الغدر شبهت بمن يطلب منه شيء فيأبى .
وجملة ( وأكثرهم فاسقون ) في موضع الحال من واو الجماعة في ( يرضونكم ) مقصود منها الذم بأن أكثرهم موصوف مع ذلك بالخروج عن مهيع المروءة والرجلة إذ نجد أكثرهم خالعين زمام الحياة فجمعوا المذمة الدينية والمذمة العرفية . فالفسق هنا الخروج عن الكمال العرفي بين الناس وليس المراد الخروج عن مهيع الدين لأن ذلك وصف لجميعهم لا لأكثرهم ولأنه قد عرف من وصفهم بالكفر .
( اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا فصدوا عن سبيله إنهم ساء ما كانوا يعملون ) موقع هذه الجملة موقع الاستئناف الابتدائي المشعر استئنافه بعجيب حالهم فيصد استقلاله بالأخبار . وهذه الآية وصف القرآن فيها المشركين بمثل ما وصف به أهل الكتاب في سورة البقرة : من الاشتراء بآيات الله ثمنا قليلا ثم لم يوصفوا بمثل هذا في آية أخرى نزلت بعدها لأن نزولها كان في آخر عهد المشركين بالشرك إذ لم تطل مدة حتى دخلوا في دين الله أفواجا سنة الوفود وما بعدها وفيها دلالة على هؤلاء الذين بقوا على الشرك من العرب بعد فتح مكة وظهور الإسلام على معظم بلاد العرب ليس لهم افتراء في صحة الإسلام ونهوض حجته ولكنه بقوا على الشرك لمنافع يجتنبونها من عوائد قومهم : من غارات يشنها بعضهم على بعض ومحبة الأحوال الجاهلية من خمر وميسر وزنى وغير ذلك من المذمات واللذات الفاسدة وذلك شيء قليل " آثروه على الهدى والنجاة في الآخرة . فلكون آيات صدق القرآن أصبحت ثابتة عندهم جعلت مثل مال بأيديهم وفرطوا فيه لأجل اقتناء منافع قليلة فلذلك مثل حالهم بحال من اشترى شيئا بشيء وقد مضى الكلام على مثل هذه الآية في سورة البقرة .
والمراد ب ( الآيات ) الدلائل وهي دلائل الدعوة إلى الإسلام وأعظمها القرآن لما اشتمل عليه من البراهين والحجاج والإعجاز والباء في قوله ( بآيات الله ) باء التعويض . وشأنها ان تدخل على ما هو عوض يبذله مالكه لأخذ معوض يملكه غيره فجعلت آيات الله كالشيء المملوك لهم لأنها تقررت دلالتها عندهم ثم أعرضوا عنها واستبدلوها باتباع هواهم .
والتعبير عن العوض المشترى باسم ثمن الذي شأنه أن يكون مبذولا لا مقتنى جار على طريق الاستعارة تشبيها لمنافع أهوائهم بالثمن المبذول فحصل من فعل ( اشتروا ) ومن لفظ ( ثمنا ) استعارتان باعتبارين .
وجملة ( فصدوا عن سبيله ) مفرعة على جملة ( اشتروا بآيات الله ) لأن إيثارهم البقاء على كفرهم يتسبب عليه أن يصدوا الناس عن اتباع الإسلام فمثل حالهم بحال من يصد الناس عن السير في طريق تبلغ إلى المقصود .
ومفعول ( صدوا ) محذوف لقصد العموم أي : صدوا كل قاصد .
وجملة ( إنهم ساء ما كانوا يعملون ) . ابتدائية أيضا فصلت عن التي قبلها ليظهر استقلالها بالأخبار وأنها لا ينبغي أن تعطف في الكلام إذ العطف يجعل الجملة المعطوفة بمنزلة التكملة للمعطوفة عليها
