ومعنى ( عند ) الاستقرار المجازي بمعنى الدوام أي إنما هو عهد موقت وقد كانت قريش نكثوا عهدهم الذي عاهدوه يوم الحديبية إذ أعانوا بني بكر بالسلاح والرجال على خزاعة وكانت خزاعة داخلة في عهد النبي A وكان ذلك سبب التجهيز لغزوة فتح مكة .
واستثناء ( إلا الذين عاهدتم ) من معنى النفي الذي استعمل فيه الاستفهام ب ( كيف يكون للمشركين عهد ) أي لا يكون عهد المشركين الا المشركين الذين عاهدتم عند المسجد الحرام .
والذين عاهدوهم عند المسجد الحرام : هم بنو ضمرة وبنو جذيمة بن الديل من كنانة ؛ وبنو بكر من كنانة .
فالموصول هنا للعهد وهم أخص من الذين مضى فيهم قوله ( إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ) .
A E والمقصود من تخصيصهم بالذكر : التنويه بخصلة وفائهم بما عاهدوا عليه ويتعين أن يكون هؤلاء عاهدوا النبي A في عمرة القضاء عند المسجد الحرام ودخلوا في الصلح الذي عقده مع قريش بخصوصهم زيادة على دخولهم في الصلح الأعم ولم ينقضوا عهدهم ولا ظاهروا عدوا على المسلمين إلى وقت نزول براءة . على أن معاهدتهم عند المسجد الحرام أبعد عن مظنة النكث لأن المعاهدة عنده أوقع في نفوس المشركين من الحلف المجرد كما قال تعالى ( إنهم لا أيمان لهم ) .
وليس المراد كل من عاهد عند المسجد الحرام كما قد يتوهمه المتوهم لأن النبي A لم يكن مأذونا بأن يعاهد فريقا آخر منهم .
وقوله ( فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ) تفريع على الاستثناء . فالتقدير إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فاستقيموا لهم ما استقاموا لكم أي ما داموا مستقيمين لكم . والظاهر أن استثناء هؤلاء لأن لعهدهم حرمة زائدة لوقوعه عند المسجد الحرام حول الكعبة .
و ( ما ) ظرفية مضمنة معنى الشرط والفاء الداخلة على فاء التفريع . الوفاء الواقعة في قوله ( فاستقيموا لهم ) فاء جواب الشرط وأصل ذلك أن الظرف والمجرور إذا قدم على متعلقه قد يشرب معنى الشرط فتدخل الفاء في جوابه ومنه قوله تعالى ( وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ) لوجوب جعل الفاء غير تفريعية لأنه قد سبقها العطف بالواو وقول النبي A " كما تكونوا يول عليكم " بجزم الفعلين وقوله لمن سأله أن يجاهد وسأله الرسول " ألك أبوان " قال : نعم قال " ففيهما فجاهد " في روايته بفاءين .
والاستقامة : حقيقتها عدم الاعوجاج والسين والتاء للمبالغة مثل استجاب واستحب وإذا قام الشيء انطلقت قامته ولم يكن فيه اعوجاج وهي هنا مستعارة لحسن المعاملة وترك القتال لأن سوء المعاملة يطلق عليه الالتواء والاعوجاج فكذلك يطلق على ضده الاستقامة .
وجملة ( إن الله يحب المتقين ) تعليل للأمر بالاستقامة . وموقع ( إن ) أولها للاهتمام وهو مؤذن بالتعليل لأن ( إن ) في مثار هذا تغني غناء فاء وقد أنبأ ذلك التعليل أن الاستقامة لهم من التقوى وإلا لم تكن مناسبة للإخبار بأن الله يحب المتقين . عقب الأمر بالاستقامة لهم وهذا من الإيجاز . ولأن في الاستقامة لهم حفظا للعهد الذي هو من قبيل اليمين .
( كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة ) و ( كيف ) هذه مؤكدة ل ( كيف ) التي في الآية قبلها فهي معترضة بين الجملتين . وجملة ( وإن يظهروا عليكم ) الخ يجوز أن تكون جملة حالية والواو للحال ويجوز أن يكون معطوفة على جملة ( كيف يكون للمشركين عهد ) إخبارا عن دخائلهم .
وفي إعادة الاستفهام إشعار بأن جملة الحال لها مزيد تعلق بتوجه الإنكار على دوام العهد للمشركين حتى كأنها مستقلة بالإنكار . لا مجرد قيد للأمر الذي توجه إليه الإنكار ابتداء فيؤول المعنى الحاصل من هذا النظم إلى إنكار دوام العهد مع المشركين في ذاته ابتداء لأنهم ليسوا أهلا لذلك وإلى إنكار دوامه بالخصوص في هذه الحالة . وهي حالة ما يبطنونه من نية الغدر إن ظهروا على المسلمين مما قامت عليه القرائن والأمارات كما فعلت هوازن عقب فتح مكة . فجملة ( وإن يظهروا عليكم ) معطوفة على جملة ( كيف يكون للمشركين عهد )