ومعنى ( أبلغه مأمنه ) أمهله ولا تهجه حتى يبلغ مأمنه فلما كان تأمين النبي E إياه سببا في بلوغه مأمنه جعل التأمين إبلاغا فأمر به النبي E وهذا يتضمن أمر المسلمين بأن لا يتعرضوا له بسوء حتى يبلغ بلاده التي يأمن فيها . وليس المراد أن النبي A يتكلف ترحيله ويبعث من يبلغه فالمعنى : اتركه يبلغ مأمنه كما يقول العرب لمن يبادر أحد بالكلام قبل إنهاء كلامه : " أبلعني ريقي " أي أمهلني لحظة مقدار ما أبلع ريقي ثم أكلمك قال الزمخشري : قلت لبعض أشياخي : " أبلعني ريقي فقال قد أبلعتك الرافدين " يعني دجلة والفرات .
( والمأمن ) مكان الأمن وهو المكان الذي يجد فيه المستجير أمنه السابق وذلك هو دار قومه حيث لا يستطيع أحد أن يناله بسوء . وقد أضيف المأمن إلى ضمير المشرك للإشارة إلى أنه مكان الأمن الخاص به فيعلم أنه مقره الأصلي بخلاف دار الجوار فإنها مأمن عارض لا يضاف إلى المجار .
A E وجملة ( ذلك بأنهم قوم لا يعلمون ) في موضع التعليل لتأكيد الأمر بالوفاء لهم بالإجارة إلى أن يصلوا ديارهم فلذلك فصلت عن الجملة التي قبلها أي : أمرنا بذلك بسبب أنهم قوم لا يعلمون فالإشارة إلى مضمون جملة ( فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ) أي لا تؤاخذهم في مدة استجارتهم بما سبق من أذاهم لأنهم قوم لا يعلمون وهذه مذمة لهم بأن مثلهم لا يقام له وزن وأوف لهم به إلى أن يصلوا ديارهم لأنهم قوم لا يعلمون ما يحتوي عليه القرآن من الإرشاد والهدى فكان اسم الإشارة أصلح طرق التعريف في هذا المقام جمعا للمعاني المقصودة وأوجزه .
وفي الكلام تنويه بمعالي أخلاق المسلمين وغض من أخلاق أهل الشرك وأن سبب ذلك الغض الإشراك الذي يفسد الأخلاق ولذلك جعلوا قوما لا يعلمون دون أن يقال بأنهم لا يعلمون : للإشارة إلى أن نفي العلم مطرد فيهم فيشير إلى أن سبب اطراده فيهم هو نشأته عن الفكرة الجامعة لأشتاتهم وهي عقيدة الإشراك .
والعلم في كلام العرب بمعنى العقل وأصالة الرأي وأن عقيدة الشرك مضادة لذلك أي كيف يعبد ذو الرأي حجرا صنعه وهو يعلم أنه لا يغني عنه .
( كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين ) استئناف بياني نشأ عن قوله ( براءة من الله ورسوله ) ثم عن قوله ( أن الله بريء من المشركين ) وعن قوله ( فاقتلوا المشركين ) التي كانت تدرجا في إبطال ما بينهم وبين المسلمين من عهود سابقة لأن ذلك يثير سؤالا في نفوس السامعين من المسلمين الذين لم يطلعوا على دخيلة الأمر فلعل بعض قبائل العرب من المشركين يتعجب من هذه البراءة ويسأل عن سببها وكيف أنهيت العهود وأعلنت الحرب فكان المقام مقام بيان سبب ذلك وأنه أمران : بعد ما بين العقائد وسبق الغدر .
والاستفهام ب ( كيف ) : إنكاري إنكارا لحالة كيان العهد بين المشركين وأهل الإسلام أي دوام العهد في المستقبل مع الذين عاهدوهم يوم الحديبية وما بعده ففعل ( يكون ) مستعمل في معنى الدوام مثل قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ) كما دل عليه قوله بعده ( فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ) . وليس ذلك إنكارا على وقوع العهد فإن العهد قد انعقد بإذن من الله وسماه الله فتحا في قوله ( إنا فتحنا لك فتحا مبينا ) وسمي رضى المؤمنين به يومئذ سكينة في قوله ( هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ) .
والمعنى : أن الشأن أن لا يكون لكم عهد مع أهل الشرك للبون العظيم بين دين التوحيد ودين الشرك فكيف يمكن اتفاق أهليهما أي فما كان العهد المنعقد معهم إلا أمرا موقتا بمصلحة . ففي وصفهم بالمشركين إيماء إلى علة الإنكار على دوام العهد معهم .
وهذا يؤيد ما فسرنا به وجه إضافة البراءة إلى الله ورسوله وإسناد العهد إلى ضمير المسلمين في قوله تعالى ( براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم )
