والأمر في ( فاقتلوا المشركين ) للإذن والإباحة باعتبار كل واحد من المأمورات على حدة أي فقد أذن لكم في قتلها وفي أخذهم وفي حصارهم وفي منعهم من المرور بالأرض التي تحت حكم الإسلام وقد يعرض الوجوب إذا ظهرت مصلحة عظيمة ومن صور الوجوب ما يأتي في قوله ( وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر ) والمقصود هنا : أن حرمة العهد قد زالت .
وفي هذه الآية شرع الجهاد والإذن فيه والإشارة إلى أنهم لا يقبل منهم غير الإسلام . وهذه الآية نسخت آيات الموادعة والمعاهدة . وقد عمت الآية جميع المشركين وعمت البقاع إلا ما خصصته الأدلة من الكتاب والسنة .
والأخذ : الأسر .
والحصر : المنع من دخول أرض الإسلام إلا بإذن من المسلمين .
والقعود مجاز في الثبات في المكان والملازمة له لأن القعود ثبوت شديد وطويل فمعنى القعود في الآية المرابطة في مظان تطرق العدو المشركين إلى بلاد الإسلام وفي مظان وجود جيش العدو وعدته .
والمرصد مكان الرصد . والرصد : المراقبة وتتبع النظر .
( وكل ) مستعملة في تعميم المراصد المظنون مرورهم بها تحذيرا للمسلمين من إضاعتهم الحراسة في المراصد فيأتيهم العدو منها أو من التفريط في بعض ممار العدو فينطلق الأعداء آمنين فيستخفوا بالمسلمين ويتسامع جماعات المشركين أن المسلمين ليسوا بذوي بأس ولا يقظة فيؤول معنى ( كل ) هنا إلى معنى الكثرة للتنبيه على الاجتهاد في استقصاء المراصد كقول النابغة .
بها كل ذيال وخنساء ترعوي ... إلى كل رجاف من الرمل فارد وانتصب ( كل مرصد ) إما على المفعول به بتضمين ( اقعدوا ) معنى " الزموا " كقوله تعالى ( لأقعدن لهم صراطك المستقيم ) وإما على التشبيه بالظرف لأنه من حق فعل القعود أن يتعدى إليه ب ( في ) الظرفية فشبه بالظرف وحذفت ( في ) للتوسع .
وتقدم ذكر ( كل ) عند قوله تعالى ( وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها ) سورة الأنعام .
A E ( فإن تابوا وأقاموا الصلواة وآتوا الزكواة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم ) تفريع على الأفعال المتقدمة في قوله ( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم ) .
والتوبة عن الشرك هي الإيمان أي فإن آمنوا إيمانا صادقا بأن أقاموا الصلاة الدالة إقامتها على أن صاحبها لم يكن كاذبا في إيمانه وبأن آتوا الزكاة الدال إيتاؤها على أنهم مؤمنون حقا لأن بذل المال للمسلمين أمارة صدق النية فيما بذل فيه فإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة شرط في كف القتال عنهم إذا آمنوا وليس في هذا دلالة على أن الصلاة والزكاة جزء من الإيمان .
وحقيقة ( فخلوا سبيلهم ) اتركوا طريقهم الذي يمرون به أي اتركوا لهم كل طريق أمرتم برصدهم فيه أي اتركوهم يسيرون مجتازين أو قادمين عليكم إذ لا بأس عليكم منهم في الحالتين فإنهم صاروا إخوانكم كما قال في الآية الآتية ( فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ) .
وهذا المركب مستعمل هنا تمثيلا في عدم الإضرار بهم ومتاركتهم يقال : خل سبيلي أي دعني وشأني كما قال جرير : .
خل السبيل لمن يبني المنار به ... وأبرز ببرزة حيث اضطرك القدر وهو مقابل للتمثيل الذي في قوله ( واقعدوا لهم كل مرصد ) .
وجملة ( إن الله غفور رحيم ) تذييل أريد به حث المسلمين على عدم التعرض بالسوء للذين يسلمون من المشركين وعدم مؤاخذتهم لما فرط منهم فالمعنى اغفروا لهم لأن الله غفر لهم وهو غفور رحيم أو اقتدوا بفعل الله إذ غفر لهم ما فرط منهم كما تعملون فكونوا أنتم بتلك المثابة في الإغضاء عما مضى .
( وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون ) عطف على جملة ( فإن تابوا ) لتفصيل مفهوم الشرط أو عطف على جملة ( فاقتلوا المشركين ) لتخصيص عمومه أي إلا مشركا استجارك لمصلحة للسفارة عن قومه أو لمعرفة شرائع الإسلام . وصيغ الكلام بطريقة الشرط لتأكيد حكم الجواب وللإشارة إلى أن تقع الرغبة في الجوار من جانب المشركين