والمظاهرة : المعاونة يجوز أن يكون فعلها مشتقا من الاسم الجامد وهو الظهر أي صلب الإنسان أو البعير لأن الظهر به قوة الإنسان في المشي والتغلب وبه قوة البعير في الرحلة والحمل يقال : بعير ظهير أي قوي على الرحلة مثل المعين لأحد على عمل بحال من يعطيه ظهره يحمل عليه فكأنه يعيره ظهره ويعيره الآخر ظهره فمن ثم جاءت صيغة المفاعلة ومثله المعاضدة مشتقة من العضد والمساعدة من الساعد والتأييد من اليد والمكاتفة مشتقة من الكتف وكلها أعضاء العمل .
ويجوز أن يكون فعله مشتقا من الظهور وهو مصدر ضد الخفاء لأن المرء إذا انتصر على غيره ظهر حاله للناس فمثل بالشيء الذي ظهر بعد خفاء ولذلك يعدى بحرف ( على ) للاستعلاء المجازي قال تعالى ( وإن تظاهرا عليه ) وقال ( كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة وقال ليظهره على الدين كله ) وقال ( والملائكة بعد ذلك ظهير ) أي معين .
والفاء في قوله ( فأتموا ) تفريع على ما أفاده استثناء قوله ( إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ) الخ وهو أنهم لا تشملهم البراءة من العهد .
والمدة : الأجل مشتقة من المد لأن الأجل مد في زمن العمل أي تطويل ولذلك يقولون : ماد القوم غيرهم إذا أجلوا الحرب إلى أمد وإضافة المدة إلى ضمير المعاهدين . لأنها منعقدة معهم فإضافتها إليهم كإضافتها إلى المسلمين ولكن رجح هنا جانبهم لأن انتفاعهم بالأجل أصبح أكثر من انتفاع المسلمين به إذ صار المسلمون أقوى منهم وأقدر على حربهم .
A E وجملة ( إن الله يحب المتقين ) تذييل في معنى التعليل للأمر . بإتمام العهد إلى الأجل بأن ذلك من التقوى أي من امتثال الشرع الذي أمر الله به لأن الأخبار بمحبة الله المتقين عقب الأمر كناية عن كون المأمور به من التقوى .
ثم إن . قبائل العرب كلها رغبت في الإسلام فأسلموا في تلك المدة فانتهت حرمة الأشهر الحرم في حكم الإسلام .
( فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد ) تفريع على قوله ( فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ) فإن كان المراد في الآية المعطوف عليها بالأربعة الأشهر أربعة تبتدئ من وقت نزول براءة كان قوله ( فإذا انسلخ الأشهر الحرم تفريعا مرادا منه زيادة قيد على قيد الظرف من قوله ( أربعة أشهر ) أي : فإذا انتهى أجل الأربعة الأشهر وانسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين الخ لانتهاء الإذن الذي في قوله ( فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ) وإن كانت الأربعة الأشهر مرادا بها الأشهر الحرم كان قوله ( فإذا انسلخ الأشهر الحرم تصريحا بمفهوم الإذن بالأمن أربعة أشهر المقتضي أنه لا أمن بعد انقضاء الأربعة الأشهر فهو على حد قوله تعالى ( وإذا حللتم فاصطادوا ) بعد قوله ( غير محلي الصيد وأنتم حرم ) فيكون تأجيلا لهم إلى انقضاء شهر المحرم من سنة عشر ثم تحذيرا من خرق حرمة شهر رجب وكذلك يستمر الحال في كل عام إلى نسخ تأمين الأشهر الحرم كما سيأتي عند قوله تعالى ( منها أربعة حرم فلا تظلموا فيهن أنفسكم ) .
وانسلاخ الأشهر انقضاؤها وتمامها وهو مطاوع سلخ . وهو في الأصل استعارة من سلخ جلد الحيوان أي أزالته . ثم شاع هذا الإطلاق حتى صار حقيقة .
والحرم جمع حرام وهو سماعي لأن فعلا بضم الفاء والعين إنما ينقاس في الاسم الرباعي ذي مد زائد . وحرام صفة . وقال الرضي في باب الجمع من شرح الشافية إن جموع التكسير أكثرها محتاج إلى السماع وقد تقدم عند قوله تعالى ( الشهر الحرام بالشهر الحرام ) سورة البقرة . وهي ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب .
وانسلاخها انقضاء المدة المتتابعة منها وقد بقيت حرمتها ما بقي من المشركين قبيلة لمصلحة الفريقين فلما آمن جميع العرب بطل حكم حرمة الأشهر الحرم لأن حرمة المحارم الإسلامية أغنت عنها