وقد احتج علماؤنا بهذه الآية على إثبات أصل من أصول الفقه عند المالكية وهو الملقب بمسألة سد الذرائع . قال ابن العربي " منع الله في كتابه أحدا أن يفعل فعلا جائزا يؤدي إلى محظور ولأجل هذا تعلق علماؤنا بهذه الآية في سد الذرائع وهو كل عقد جائز في الظاهر يؤول أو يمكن أن يتوصل به إلى محظور " . وقال في تفسير سورة الأعراف عند قوله تعالى ( وسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت ) : مالك Bه وتابعه عليها أحمد في بعض رواياته وخفيت على الشافعي وأبي حنيفة Bهما مع تبحرهما في الشريعة وهو كل عمل ظاهر الجواز يتوصل به إلى محظور اه . وفسر المازري في باب بيوع الآجال من شرحه للتلقين سد الذريعة بأنه منع ما يجوز لئلا يتطرق به إلى ما لا يجوز اه, والمراد : سد ذرائع الفساد كما أفصح عنه القرافي في تنقيح الفصول وفي الفرق الثامن والخمسين فقال : الذريعة : الوسيلة إلى الشيء . ومعنى سد الذرائع حسم مادة وسائل الفساد . وأجمعت الأمة على أن الذرائع ثلاثة أقسام : أحدها معتبر إجماعا كحفر الآبار في طرق المسلمين وإلقاء السم في أطعمتهم وسب الأصنام عند من يعلم من حاله أنه يسب الله تعالى حينئذ . وثانيها ملغى إجماعا كزراعة العنب فإنها لا تمنع لخشية الخمر وكالشركة في سكنى الدور خشية الزنا . وثالثها مختلف فيه كبيوع الآجال فاعتبر مالك Bه الذريعة فيها وخالفه غيره اه . وعنى بالمخالف الشافعي وأبا حنيفة Bهما .
وهذه القاعدة تندرج تحت قاعدة الوسائل والمقاصد فهذه القاعدة شعبة من قاعدة إعطاء الوسيلة حكم المقصد خاصة بوسائل حصول المفسدة . ولا يختلف الفقهاء في اعتبار معنى سد الذرائع في القسم الذي حكى القرافي الإجماع على اعتبار سد الذريعة فيه . وليس لهذه القاعدة عنوان في أصول الحنفية والشافعية ولا تعرضوا لها بإثبات ولا نفي ولم يذكرها الغزالي في المستصفى في عداد الأصول الموهومة في خاتمة القطب الثاني في أدلة الأحكام .
و ( عدوا ) بفتح العين وسكون الدال وتخفيف الواو في قراءة الجمهور وهو مصدر بمعنى العدوان والظلم وهو منصوب على المفعولية المطلقة ل ( يسبوا ) لأن العدو هنا صفة للسب فصح أن يحل محله في المفعولية المطلقة بيانا لنوعه . وقرأ يعقوب ( عدوا ) بضم العين والدال وتشديد الواو وهو مصدر كالعدو .
ووصف سبهم بأنه عدو تعريض بأن سب المسلمين أصنام المشركين ليس من الاعتداء وجعل ذلك السب عدوا سواء كان مرادا به الله أم كان مرادا به من يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بما جاء به لأن الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بما جاء به هو في نفس الأمر الله تعالى فصادفوا الاعتداء على جلاله .
وقوله ( بغير علم ) حال من ضمير ( يسبوا ) أي عن جهالة فهم لجهلهم بالله لا يزعهم وازع عن سبه ويسبونه غير عالمين بأنهم يسبون الله لأنهم يسبون من أمر محمدا صلى الله عليه وسلم بما جاء به فيصادف سبهم سب الله تعالى لأنه الذي أمره بما جاء به .
ويجوز أن يكون ( بغير علم ) صفة ل ( عدوا ) كاشفة لأن ذلك العدو لا يكون إلا عن غير علم بعظم الجرم الذي اقترفوه أو عن علم بذلك لكن حالة إقدامهم عليه تشبه حالة عدم العلم بوخامة عاقبته .
A E