وجواب الفخر عنه ( بأن بعضهم كان لا يثبت وجود الله وهم الدهريون أو أن المراد أنهم يشتمون الرسول عليه الصلاة والسلام فأجرى الله شتم الرسول مجرى شتم الله كما في قوله تعالى ( إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ) اه . فإن في هذا التأويل بعدا لا داعي إليه .
والوجه في تفسير الآية أنه ليس المراد بالسب المنهي عنه فيها ما جاء في القرآن من إثبات نقائص آلهتهم مما يدل على انتفاء إلهيتها كقوله تعالى ( أولئك كالأنعام بل هم أضل ) في سورة الأعراف . وأما ما عداه من نحو قوله تعالى ( ألهم أرجل يمشون بها ) فليس من الشتم ولا من السب لأن ذلك من طريق الاحتجاج وليس تصديا للشتم فالمراد في الآية ما يصدر من بعض المسلمين من كلمات الذم والتعبير لآلهة المشركين كما روي في السيرة أن عروة بن مسعود الثقفي جاء رسولا من أهل مكة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية فكان من جملة ما قاله " وأيم الله لكأني بهؤلاء " يعني المسلمين " قد انكشفوا عنك " وكان أبو بكر الصديق حاضرا فقال له أبو بكر " امصص بظر اللات " إلى آخر الخبر .
ووجه النهي عن سب أصنامهم هو أن السب لا تترتب عليه مصلحة دينية لأن المقصود من الدعوة هو الاستدلال على إبطال الشرك وإظهار استحالة أن تكون الأصنام شركاء لله تعالى فذلك هو الذي يتميز به الحق عن الباطل وينهض به المحق ولا يستطيعه المبطل فأما السب فإنه مقدور للمحق وللمبطل فيظهر بمظهر التساوي بينهما . وربما استطاع المبطل بوقاحته وفحشه ما لا يستطيعه المحق فيلوح للناس أنه تغلب على المحق . على أن سب آلهتهم لما كان يحمي غيظهم ويزيد تصلبهم قد عاد منافيا لمراد الله من الدعوة فقد قال لرسوله عليه الصلاة والسلام ( وجادلهم بالتي هي أحسن ) وقال لموسى وهارون عليهما السلام ( فقولا له قولا لينا ) فصار السب عائقا عن المقصود من البعثة فتمحض هذا السب للمفسدة ولم يكن مشوبا بمصلحة . وليس هذا مثل تغيير المنكر إذا خيف إقضاؤه إلى مفسدة لأن تغيير المنكر مصلحة بالذات وإفضاؤه إلى المفسدة بالعرض . وذلك مجال تتردد فيه أنظار العلماء المجتهدين بحسب الموازنة بين المصالح والمفاسد قوة وضعفا وتحققا واحتمالا . وكذلك القول في تعارض المصالح والمفاسد كلها .
وحكم هذه الآية محكم غير منسوخ . قال القرطبي : قال العلماء : حكمها باق في هذه الأمة على كل حال فمتى كان الكافر في منعة وخيف أنه إن سب المسلمون أصنامه أو أمور شريعته أن يسب هو الإسلام أو النبي عليه الصلاة والسلام أن الله عز وجل لم يحل للمسلم أن يسب صلبانهم ولا كنائسهم لأنه بمنزلة البعث على المعصية اه . أي على زيادة الكفر . ولسيس من السب إبطال ما يخالف الإسلام من عقائدهم في مقام المجادلة ولكن السب أن نباشرهم في غير مقام المناظرة بذلك ونظير هذا ما قاله علماؤنا فيما يصدر من أهل الذمة من سب الله تعالى أو سب النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم إن صدر منهم ما هو من أصول كفرهم فلا يعد سبا وإن تجاوزوا ذلك عد سبا ويعبر عنها الفقهاء بقولهم " ما به كفر وغير ما به كفر " .
A E