والدراسة : القراءة بتمهل للحفظ أو للفهم وتقدم عند قوله تعالى ( وبما كنتم تدرسون ) في سورة آل عمران . وفعله من باب نصر . يقال : درس الكتاب أي تعلم . وقد تقدم في قوله تعالى ( بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ) وقال ( ودرسوا ما فيه ) . وسمي بيت تعلم اليهود المدراس وسمي البيت الذي يسكنه التلامذة ويتعلمون فيه المدرسة . والمعنى يقولون : تعلمت طعنا في أمية الرسول عليه الصلاة والسلام لئلا يلزمهم أن ما جاء به من ا لعلم وحي من الله تعالى .
وقرأ الجمهور ( درست ) بدون ألف وبفتح التاء . وقرأه ابن كثير وأبو عمرو " دارست " على صيغة المفاعلة وبفتح التاء أي يقولون : قرأت وقرئ عليك أي دارست أهل الكتاب وذاكرتهم في عملهم . وقرأه ابن عامر ويعقوب ( درست ) بصيغة الماضي وتاء التأنيث أي الآيات أي تكررت .
وأما اللام في قوله ( ولنبينه لقوم يعلمون ) فهي لام التعليل الحقيقية .
وضمير ( نبينه ) عائد إلى القرآن لأنه ما صدق ( الآيات ) ولأنه معلوم من السياق .
والقوم هم الذين اهتدوا وآمنوا كما تقدم في قوله ( قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون ) والكلام تعريض كما تقدم .
والمعنى أن هذا التصريف حصل منه هدى للموفقين ومكابرة للمخاذيل كقوله تعالى ( يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين ) .
( اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين [ 106 ] ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلنك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل [ 107 ] ) استئناف في خطاب النبي عليه الصلاة والسلام لأمره بالإعراض عن بهتان المشركين وأن لا يكترث بأقوالهم فابتداؤه بالأمر باتباع ما أوحي إليه يتنزل منزلة المقدمة للأمر بالإعراض عن المشركين وليس هو المقصد الأصلي من الغرض المسوق له الكلام لأن اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم ما أوحي إليه أمر واقع بجميع معانيه ؛ فالمقصود من الأمر الدوام على اتباعه . والمعنى : أعرض عن المشركين اتباعا لما أنزل إليك من ربك .
والمراد بما أوحي إليه القرآن .
والاتباع في الأصل اقتفاء أثر الماشي ثم استعمل في العمل بمثل عمل الغير كما في قوله ( والذين اتبعوهم بإحسان ) . ثم استعمل في امتثال الأمر والعمل بما يأمر به المتبوع فهو الائتمار ويتعدى فعله إلى ذات المتبع فيقال : اتبعت فلانا بهذه المعاني الثلاثة وهو على حذف مضاف في جميع ذلك لأن الاتباع لا يتعلق بالذات .
وإطلاق الاتباع بمعنى الائتمار شائع في القرآن لأنه جاء بالأمر والنهي وأمر الناس باتباعه واستعمل أيضا في معنى الملازمة على سبيل المجاز المرسل لأن من يتبع أحدا يلازمه . ومنه سمي الرئي من الجن في خرافات العرب تابعة ومنه سمى من لازم الصحابي وروى عنه تابعيا .
فيجوز أن يكون الاتباع في الآية مرادا به دوام الامتثال لما أمر به القرآن من الإعراض عن أذى المشركين وعنادهم فالاتباع المأمور به اتباع في شيء مخصوص وهذا مأمور به غير مرة فالأمر بالفعل مستمر في الأمر بالدوام عليه .
ويجوز أن يكون أمرا بملازمة الدعوة إلى الله والإعلان بها ودعاء المشركين إلى التوحيد والإيمان وأن لا يعتريه في ذلك لين ولا هوادة حتى لا يكون لبذاءتهم وتكذيبهم إياه تأثير على نفسه يوهن دعوتهم والحرص على إيمانهم واعتقاد أن محاولة إيمانهم لا جدو لها . فالمراد بما أوحي إليه ما أوحي من القرآن خطابا للمشركين أو أمرا بدعوتهم للإسلام وعدم الانقطاع عن ذلك فيكون الكلام شدا لساعد النبي صلى الله عليه وسلم في مقامات دعوته إلى الله وهذا هو المناسب لقوله ( ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله ) كما سنبينه . وقد تقدم شيء من هذا آنفا عند قوله تعالى ( إن أتبع إلا ما يوحى إلي ) .
وليس المراد من الأمر بالاتباع الأمر باتباع أوامر القرآن ونواهيه مطلقا لأنه لا مناسبة له بهذا السياق وفي الإتيان بلفظ ( ربك ) دون اسم الجلالة تأنيس للرسول صلى الله عليه وسلم وتلطف معه .
وجملة ( لا إله إلا هو ) معترضة والمقصود منها إدماج التذكير بالوحدانية لزيادة تقرها وإغاظة المشركين .
A E