وإنما نسج نظم الآية على هذا النسج للإيذان بأن ( لنفسه ) مقدم في التقدير على متعلقه المحذوف . والتقدير : فلنفسه أبصر ولولا قصد الإيذان بهذا التقديم لقال : فمن أبصر أبصر لنفسه كما قال ( إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم ) والمقام يقتضي تقديم المعمول هنا ليفيد القصر أي فلنفسه أبصر لا لفائدة غيره لأنهم كانوا يحسبون أنهم يغيظون النبي صلى الله عليه وسلم بإعراضهم عن دعوته إياهم إلى الهدى وقرينة ذلك أن هذا الكلام مقول من النبي A وقد أومأ إلى هذا صاحب الكشاف بخلاف آية ( إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم ) فإنهم حكت كلاما خوطب به بنو إسرائيل من جانب الله تعالى وهم لا يتوهمون أن إحسانهم ينفع الله أو إساءتهم تضر الله .
والكلام على قوله ( ومن عمي فعليها ) نظير الكلام على قوله ( فمن أبصر فلنفسه ) . وعدي فعل ( عمي ) بحرف ( على ) لأن العمى لما كان مجازا كان ضرا يقع على صاحبه .
وجملة ( وما أنا عليكم بحفيظ ) تكميل لما تضمنه قوله ( فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها ) أي فلا ينالني من ذلك شيء فلا يرجع لي نفعكم ولا يعود علي ضركم ولا أنا وكيل على نفعكم وتجنب ضركم فلا تحسبوا أنكم حتى تمكرون بي بالإعراض عن ا لهدى والاستمرار في الضلال .
والحفيظ : الحارس ومن يجعل إليه نظر غيره وحفظه وهو بمنزلة الوكيل إلا أن الوكيل يكون مجعولا له الحفظ من جانب الشيء المحفوظ والحفيظ أعم لأنه يكون من جانبه ومن جانب مواليه . وهذا قريب من معنى قوله ( وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل ) .
والإتيان بالجملة الاسمية هنا دقيق لان الحفيظ وصف لا يفيد غيره مفاده فلا يقوم مقامه فعل حفظ فالحفيظ صفة مشبهة يقدر لها فعل منقول إلى فعل بضم العين لم ينطق به مثل الرحيم .
ولا يفيد تقديم المسند إليه في الجملة الاسميه اختصاصا خلافا لما يوهمه ظاهر تفسير الزمخشري وإن كان العلامة التفتزاني مال إليه وسكت عنه السيد الجرجاني وهو وقوف مع الظاهر . وتقديم ( عليكم ) على ( بحفيظ ) للاهتمام ولرعاية الفاصلة .
( وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون [ 105 ] ) جملة معترضة تذييلا لما قبلها . والواو اعتراضية فهو متصل بجملة ( قد جاءكم بصائر من ربكم ) التي هي من خطاب الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بتقدير ( قل ) كما تقدم والإشارة بقوله ( وكذلك ) إلى التصريف المأخوذ من قوله ( نصرف الآيات ) . أي ومثل ذلك التصريف نصرف الآيات . وتقدم نظيره غير مرة وأولها قوله ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) في سورة البقرة .
والقول في تصريف الآيات تقدم في قوله تعالى ( انظر كيف نصرف الآيات ) في هذه السورة .
وقوله ( وليقولوا درست ) معطوف على ( وكذلك نصرف الآيات ) . وقد تقدم بيان معنى هذا العطف في نظيره في قوله تعالى ( وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين ) من هذه السورة . ولكن ما هنا يخالف ما تقدم مخالفة ما فإن قول المشركين للرسول E ( درست ) لا يناسب أن يكون علة لتصريف الآيات فتعين أن تكون اللام مستعارة لمعنى العاقبة والصيرورة كالتي في قوله تعالى ( فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا ) . المعنى فكان لهم عدوا . وكذلك هنا أي نصرف الآيات مثل هذا التصريف الساطع فيحسبونك اقتبسته بالدراسة والتعليم فيقولوا : درست . والمعنى : أنا نصرف الآيات ونبينها تبيينا من شأنه أن يصدر من العالم الذي درس العلم فيقول المشركون درست هذا وتلقيته من العلماء والكتب لإعراضهم عن النظر الصحيح الموصل إلى أن صدور مثل هذا التبيين من رجل يعلمونه أميا لا يكون إلا من قبل وحي من الله إليه وهذا كقوله ( ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر ) وهم قد قالوا ذلك من قبل ويقولونه ويزيدون بمقدار زيادة تصريف الآيات فشبه ترتب قولهم على التصريف بترتب العلة الغائية واستعير لهذا المعنى الحرف الموضوع للعلة على وجه الاستعارة التبعية ولذلك سمى بعض النحويين مثل هذه اللام لام الصيرورة وليس مرادهم أن الصيرورة معنى من معاني اللام ولكنه إفصاح عن حاصل المعنى .
A E