عند الله تعالى وقد نص غير واحد على أن وقوع ما أخبر الله تعالى به من المغيبات من وجوه الاعجاز لكلامه وإن لم يكن الاعجاز به فقط كما في قول مضعف لو شاء الله عدم اشراكنا وعدم تحريمنا شيئا ما أشركنا ولا ءاباؤنا ولا حرمنا من شيء لم يريدوا بهدا الكلام الاعتذار عن ارتكاب القبيح إذ لم يعتقدوا قبح أفعالهم وهي أفعى لهم بل هم كما نطقت به الآيات يحسبون أنهم يحسنون صنعا وأنهم إنما يعبدون الأصنام ليقربوهم إلى الله زلفى وأن التحريم إنما كان من الله D فما مرادهم بذلك إلا الاحتجاج على أن ما ارتكبوه حق ومشروع ومرضي عند الله تعالى بناء على أن المشيئة والارادة تساوق الأمر وتستلزم الرضا كما زعمت المعتزلة فيكون حاصل كلامهم إن ما نرتكبه من الشرك والتحريم وغيرهما تعلقت به مشيئة الله تعالى وإرادته وكل ما تعلق به مشيئته سبحانه وإرادته فهو مشروع ومرضي عنده D فينتج أن ما نرتكبه من الشرك والتحريم مشروع ومرضي عند الله تعالى وبعد أن حكى سبحانه ذلك عنهم رد عليهم بقوله عز من قائل كذلك أي مثل ما كذب هؤلاء كذب الذين من قبلهم وهم أسلافهم المشركون وحاصله أن كلامهم يتضمن تكذيب الرسل عليهم السلام وقد دلت المعجزة على صدقهم ولا يخفى أن المقدمة الأولى لا تكذيب فيها نفسها بل هي متضمنة لتصديق ما تطابق فيه العقل والشرع من كون كل كائن بمشيئة الله تعالى وامتناع أن يجري في ملكه خلاف ما يشاء فمنشأ التكذيب هو المقدمة الثانية لأن الرسل عليهم السلام يدعونهم إلى التوحيد ويقولون لهم : إن الله تعالى لا يرضى لعباده الكفر دينا ولا يأمر بالفحشاء فيكون قولهم : إن ما نرتكبه مشروع ومرضي عنده تعالى تكذيب لهذا القول وحيث كان فساد هذه الحجة باعتبار المقدمة الثانية تعين انها ليست بصادقة وحينئذ يصدق نقيضها وهي أنه ليس كل ما تعلقت به المشيئة والارادة بمشروع ومرضي عنده سبحانه بناء على أن الارادة لا تساوق الأمر والرضا على ما هو مذهب أهل السنة إذ المشيئة ترجح بعض الممكنات على بعض مأمورا كان أو منهيا حسنا كان أو قبيحا وعلى هذا فلا حجة في الآية للمعتزلة بل قد انقلب الأمر فصارت الآية حجة لنا عليهم لأنهم لم يفرقوا بين المأمور والمراد واعتقدوا كالمشركين بأن كل مراد مأمور ومرضي ويجوز أيضا أن يقال مقصود : المشركين من قولهم ذلك رد دعوة الأنبياء عليهم السلام ورفع البعثة والتكليف وهو المذ : ور في كثير من الكتب الكلامية وحاصله حينئذ ان ما شاء الله تعالى يجب ومالم يسا يمتنع وكل ما هذا شأنه فلا يكلف به لكونه مشروطا بالاستطاعة فينتج إن ما نرتكبه من الشرك وغيره لم نكلف بتركه ولم يبعث له نبي فرد الله تعالى عليهم بأن هذه كلمة صدق أريد بها باطل لأنهم أرادوا بها أن الرسل عليهم السلام في دعواهم البعثة والتكليف كاذبون وقد ثبت صدقهم بالدلائل القطعية ولكون ذلك صدقا أريد به باطل ذمهم الله تعالى بالتكذيب ووجوب وقوع متعلق بالمشيئة لا ينافي صدق دعوى البعثة والتكليف لأنهما لإظهار المحجة وإبلاغ الحجة وسيأتي توجيه آخر إن شاء الله تعالى قريبا للآية .
وعطف آباؤنا على الضمير المرفوع في أشركنا وساغ ذلك عند البصريين وإن لم يؤكد الضمير لأنه يكفي عندهم أي فاصل كان وقد فصل بلا ههنا والكوفيون لا يشترطون في ذلك شيئا ويستدلون بما هنا ولا يعتبرون هذا الفصل لأنه ينبغي أن يتقدم حرف العطف ليدفع الهجنة ولا يكفي عندهم الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه وتوقف أبو علي في كفاية الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه وان لم يفصل