[144] فيهما أصرح دلالة على النفي من دلالة قوله تعالى: (وجوه يومئذ ناظرة إلى ربها ناظرة) على الأثبات. فإن استعمال النظر بمعنى الانتظار كثير في القرآن وكلام العرب، كقوله: (ما ينظرون إلا صيحة واحدة) (1)، (هل ينظرون إلا تأويله) (2)، (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة) (3)، وثبت إنه استعمل بهذا المعنى (4). فالشيخ محمد عبده - حسب ما جاء في الفقرة المذكورة من كلامه - إنه يرجح الايات النافية للرؤية، ويميل إليها واستند في القول بضعف آيات الرؤية إلى آيات اخرى وأقوال المفسرين، ولكنه عندما تعترضه أحاديث الرؤية لا يسعه الأغماض عنها، بل يأول الايات إلى المعاني التي وردت في الأحاديث، ويقول بالحرف الواحد: إن في الأحاديث الصحيحة من التصريح في إثبات الرؤية ما لا يمكن المراء فيه (5). وعلى هذا، فقد علمنا أن منشأ الاعتقاد بالرؤية والتجسيم والتشبيه التي نأتي بذكر هاهو الأحاديث المروية في كتب أهل السنة وخاصة صحاحهم الستة، التي يعتبرونها صحيحة وموثقة ولا تقبل الخدش والرد والنقد. وهذه الأحاديث المروية عندهم هي التي دفعتهم الى الاعتقاد في التوحيد بما لا يوافق القرآن الكريم. وملخص القول إذا وضع المعمار حجر الأساس مائلا ومعوجا فإن الاعوجاج والانحراف يظل باقيا مادام البناء باقيا. رؤية الله في المنام ! لقد اطلع القارئ المنصف على ما ذكرناه من عقيدة أرباب الصحيحين وأتباعهما ________________________________________ (1) يس: 49. (2) الأعراف: 53. (3) البقرة: 158. (4) تفسير المنار 9: 134. (5) تفسير المنار 9: 144. ________________________________________