/ صفحة 4 /
بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (الدين النصيحة) قالوا: لمن يا رسول الله؟
قال: (لله، ولرسوله، ولولاة المسلمين، ولعامتهم) ومعنى (النصيحة) في هذا الحديث أن تنطوي القلوب على النصح لا على الغش، ولا على الخداع والتضليل، بتزيين القبيح، أو بتشويه الحسن، وإذا انطوت القلوب على النصح؛ لم تنطق الألسنة إلا بالحق، ولم يجد الخداع ولا الملق والتزلف سبيلاً إلى المجتمع.
* * *
ولقد جاء الإسلام بالحرية، وطبقها في أوسع الحدود، ولم يضق بها ذرعاً، فلم يترك مجالاً لأخلاق النفاق والخديعة، وما كان المنافقون في العهد الأول إلا نباتاً غريباً عن أرض الإسلام، لم يجد له خصباً ولا ريا، فذوى ثم صوح ثم أصبح غثاءً لا جدوى فيه، ولا وزن لأصحابه!.
ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكره أن يمدحه أحد في وجهه، ويقول: (احثوا في وجوه المادحين التراب).
ويقول عمر بن الخطاب: (المدح ذبح) ـ يشير إلى أن مدح الرجل؛ إنما هو خديعة وتخدير له، فهو بمثابة ذبحه وإلغاء وجوده بزحزحته حين يتقبله عن موقف الحزم والعزم الذي كان عليه أن يقفه، ويقول عن عبد الله بن المقفع: (إياك إذا كنت والياً أن يكون من شأنك حب المدح، وأن يعرف الناس ذلك منك، فيكون منفذاً إليك، واعلم ان قابل المدح كمادح نفسه).
ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يستمع إلى الرجل من الأعراب يسأله ويجادله، دون أن يبدو عليه ما يدل على التألم أو التبرم، ذلك بأنه يؤثر أن ينعم الناس بنعمة الحرية، وأن يذوقوا لذتها، ولا يحب أن يميت في نفوسهم عزتها وكرامتها.
هكذا كانت الحرية، فكانت الصراحة، وكانت الشجاعة في الحق.