/ صفحه 4/
لقد وصف الله المؤمنين في سورة ((الشورى)) بأوصاف، منها ما يحقق ثبات إيمانهم، وحسن يقينهم، ومنها ما يصور سلطانهم على شهواتهم ورغبات نفوسهم، ومنها ما يمثل استجابتهم وخشوعهم وقيامهم بحقوق ربهم ومجتمعهم. ثم ختم الله ذلك كله بوصف فريد في أخلاق أهل المجتمعات الراشدة، يبين أنهم أحرارٌ أباةٌ لا يقبلون
ـ2ـ
الضيم، ولا ينامون على الخسف، ولا يرضون أن يساموا خطة الظلم، فقال جل شأنه:((والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون)).
فهل كان للإمام الحسين، وهو يتلو كتاب الله آناء الليل، وقد سمعهُ يرّتل من فم جده الأعظم، أن يرى البغي يصب الأمة، والظلم والفساد ينتشر ان في ربوعها، ثم لا ينهض لينتصر؟ فلمن إذن نزل القرآن؟ ومن ذا الذي يستجيب له إن لم يستجب له سبط محمد وابن فاطمة وعلي؟
هو إذن كان مثلاً باقياً في الأولين والآخرين، ضربه الله للناس، ولقد احتذاه في التاريخ ثوارٌ ثاروا على الباطل فزلزلوا عروشه، ودكدكوا صروحه، ولسوف يحتذيه ـ ما بقيت الدنيا ـ ثوراٌ وثوار، فإن دم الشهيد يظل يغلي ويقذف بالحمم حتى يقضي على الظالمين.
وإذا كان شهر المحرم يثير هذه الذكرى الحزينة في كل عام; فما أجدر المسلمين في كل شعب، وكل طائفة، أن يلقَنوا دروس هذه الذكرى، ويفقهوا عبرها، فإنها ليست لقوم دون قوم، ولا لفريق دون فريق، وإنما هي لأصحاب المبادئ والمثل أينما كانوا، وفي أي زمان عاشوا، وإن الذين يقومون بالحق، ويستشهدون في سبيله، من بعد الحسين، لكالذين قاموا معه، واستشهدوا بين يديه في كربلاء.
فسلام على الإمام الشهيد، وعلى المستشهدين معه، وسلام على الذين استشهدوا، ويستشهدون في سبيل الحق من بعده، وسلام على الذين يبذلون دماءهم في مقاومة الطغاة والجبابرة تأسياً به، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.
محمد محمد المدني