/ صفحه 4/
إن محمداً قد جاء والناس فوضى، والعالم يضرب بعضه بعضاً، والقوي يأكل الضعيف، والغني يهضم الفقير، والطغاة يستبدون بالعباد، ويعيثون في الأرض الفساد، وكان العرب وهم أهل قرباه وقومه الأدنون يتقاتلون على التافه من الامر فتظل الحرب بينهم مستعرة الأوار سنوات وسنوات، وكان الأوس والخزرج ما يزالون يجترُّون عفوانات الماضي بين الحين والحين، فيتكدر الصفو في مجتمع المدينة، وتعود الجروح ـ التي ما كادت تندمل ـ سيالة بما تشمئز منه النفوس، ولم يكن لهذه المدينة التي قدر الله لها أن تنبعث منها الدعوة الإسلامية في أوج عظمتها أن تبقى متقطعة الأوصال، منطوية على الأحقاد والأضغان، فطهر الله بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم نفوساً، وألف بين قلوب، فما مر عام أو عامان حتى استقام المسلمون على الخطة الراشدة، والمظهر السليم، والمنهج المستقيم.
ثم رفع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من بينهم، فارتكس المسلمون بعد حين قريب، وعادوا فرقا وأحزاباً وطوائف، يستريب بعضهم ببعض، ويلعن بعضهم بعضاً، ونسوا الفضل بينهم، وتمكن منهم أعداؤهم، وصاروا هم الفئة المستضعفة في الأرض بعد أن جعلهم الله أئمة يهدون بأمره، ويعلون كلمته، ويبثون في العالم دعوته.
والآن، وقد أدركوا ماضيهم في استقامته يوم كان مستقيماً، وفي عوجه يوم كان معوجا، عاد إليهم صوابهم، فأخذوا يجمعون أمرهم كما جمع بينهم نبيهم.
وبذلك استدار الزمان كهيئته على عهد النبوة، في نشدان الألفة، ونسيان الضغينة، والالتفاف إلى ما هو أولى بهم من حمل لواء الدعوة، وأداء حق الرسالة.
وإن لهذه الجماعة، التي تصدر عنها هذه الرسالة، لفضلاً يذكر ويشكر في جمع الكلمة، ولم الشمل، والتحذير من الأخطار، وتهدئة الخواطر.
وأي شئ أفضل من اقتفاء أثر الرسول الكريم في الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وفي تذكير المؤمنين بما بينهم من روابط الأخوة، وأواصر القربى في دين الله.
