@ 178 @ محصور مع المسلمين في حمص ، ورأى منهم فتورا عن الحرب لا لوهن في نفوسهم ، أوجبن أصابهم ، كلا ! وإنما هو لرهبة الخالق التي تمكنت من أفئدتهم وقلوبهم وإخافتهم من الموت ، لا لذاته ، بل لما بعده ، فقام ، فخطب فيهم وتلا عليهم ذلك الحديث وهو : ( ( من مات لا يشرك بالله شيئاً ، دخل الجنة ) ) استحثاثا لهممهم ، وتخفيفا لروعهم مما بعد الموت ، رجاء رحمه الله وعفوه عن ذنوب اقترفوها مما دون الشرك ، إذا تابوا وأنابوا . قال لهم هذا ، وهو يظن أن هذا الحديث لا يتعدى أسماعهم لاعتقاده أنهم إذا خرجوا لمكافحة الروم ، لا يبقى منهم أحد يحدث به ، أو يلابس نفسه أثر منه ، لكثرة من كان على حصارهم من جند الروم . ولما تم الظفر للمسلمين ونجوا من براثن العدو ، ندم على أن حدثهم بذلك الحديث وخسي من أن يعلق في نفوسهم شيء منه مع أنه علقه على التوبة ، فقام وخطب فيهم فقال : ( ( لا تتكلوا ، ولا تزهدوا في الدرجات ، فلو علمت أنه يبقى منا أحد لم أحدثكم بهذا الحديث . ) ) وتالله إن قوماً بلغ بهم الإيمان الصادق ، وليقين الثابت ذلك المقام ، مقام الرهبة من الله ومن الوقوف بين يدي قدرته بعد الموت ، لقوم عامتهم أعلم بالدين ، وأخلص في اليقين من خاصتنا . ذلك العصر ، وماذا يشترط في المحدثين وحملة علوم الدين ؟ إلا يشترط الوقوف على مقاصد الإسلام ، والتفقه في الحديث ، والعلم بحالة الخاطبين ، واجتناب الغلو معهم في الترغيب والترهيب ، ومراعاة ما يلابس عقولهم من القوة والضعف ؟ وأني يتيسر هذا ، وقد نتج عن كثرة الرواية وحمل الحديث بلا تفقه فيه ، زيغ العقول عن مقاصد الشرع واجتراء الكذابين على وضع الحديث ، وشحن الكتب الإسلامية بما لا يرضاه الله والرسول ؛ وهو ما كان يحذره عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، ولهذا نهى في عصره الذي هو خير العصور ، عن الإكثار من رواية الحديث ، فما بالك بما يلي عصره من العصور ؟ .
( ( ذكر الحافظ أبو عمر يوسف بن عبد البر القرطبي الأندلسي في كتابه ( ( جامع بيان