( 464 ) إنّ سياسة الإسلام العامّة اتّجاه الأقليّات الدينيّة تفهم من هاتين الآيتين جيّداً فالأقليّات الدينيّة ـ حسب هاتين الآيتين ـ محترمون في البلاد الإسلاميّة وعلى المسلمون أن يعايشونهم ويعترفوا لهم بحقوقهم في الحياة الآمنة ما لم يتجاوز أبناؤها وأعضاؤها على حقوق الأكثريّة المسلمة، ولم تت آمر ضدّ الإسلام، فإذا تآمرت، وتحالفت مع أعداء الإسلام ومعارضيه وخصومه، ارتفعت عنهم هذه الحصانة الإسلاميّة وجاز للمسلمين أن يقفوا ضدهم... ولا يوادّوهم. ولقد بلغت هذه الحريّة والاحترام إلى درجة لو فعل أهل الذمّة ما هو سائغ في شرعهم وليس بسائغ في الإسلام كشرب الخمر لم يتعرّض لهم ما لم يتجاهروا به، نعم إن تجاهروا به عمل بهم ما تقتضيه الجناية بموجب الشرع. وإن فعلوا ما ليس بسائغ في شرعهم (1) كالزنا واللواط، فالحكم فيه أيضاً كما في المسلم. وإن شاء الحاكم رفعه إلى أهل نحلته ليقيموا الحدّ فيه، بمقتضى شرعهم كما لو تحاكم إلينا ذميّان كان الحاكم مخيّراً بين الحكم عليهما بحكم الإسلام وبين الإعراض عنهم لقوله سبحانه: ( فإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ )(المائدة: 42). 2 ـ حسن المعاشرة مع الأقلّيات إنّ الإسلام يحث المسلمين على الإحسان إلى أهل الكتاب، وأخذهم بحسن المعاشرة واحترام عقائدهم وإبقائهم على دينهم إذا هم اختاروا ذلك، قال اللّه تعالى: (وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الكِتَابَ إلاّ بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ إلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إليْنَا وَ أُنْزِلَ إلَيْكُمْ ) (العنكبوت: 46). وقال الرسول الأكرم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: "من ظلم مُعاهداً وكلّفهُ فوق طاقته فأنا حجيجهُ يوم القيامة" (2). ــــــــــــــــــــــــــــ 1- لاحظ في ذلك جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام 21:31. 2- فتوح البلدان للبلاذريّ:167 ( طبعة مصر ).