( 393 ) وأمّا إذا اختارت الاُمّة رئيساً نافذاً كامل الصلاحيات فله أن يتدخّل في الأمر ويأخذ بما هو مطابق للإسلام، وإذا كان كلاهما مطابقين مع الموازين الإسلاميّة فللرئيس أن يختار ما هو أصلح لحال الاُمّة، وأنفع لها سواء أيّدته الأكثريّة أو الأقليّة. ولعلّه إلى ذلك يشير قوله سبحانه: ( فَإِذَا عَزَمْتَ ) المشير إلى أنّ صاحب القرار الأخير هو الرئيس فهو الذي يعزم ويقصد في مجال الأخذ بالآراء المتضاربة كما في قوله سبحانه: (وَشَاوِرْهُــــمْ فِي الأَمْـــرِ فَإِذَا عَزَمْــــتَ فَتَوَكَّــــلْ عَلَى اللّهِ)(آلعمران: 159). فإنّ الآية تتضمّن أمرين: الأوّل: ايصاء النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم بالمشاورة مع المسلمين، والاستماع إلى آرائهم فإنّ المشاورة واحتكاك الرأي بالرأي الآخر يفيد تلاقح الأفكار، والوصول إلى النتيجة الناضجة، والرأي الصواب، كما يفيد احتكاك الأسلاك الكهربائيّة انبثاق النور والحرارةولذلك يجب على الحاكم الإسلاميّ ـ على الإطلاق ـ المشاورة، وتجنّب الاستبداد والتفرّد بالرأي وإلى هذه الوظيفة الحساسة يشير قوله سبحانه: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ ). الثاني: إنّ على الحاكم الإسلاميّ الأعلى بعد المشاورة والاستماع إلى الآراء المختلفة ويقلّب وجوه الرأي، أن يقيّمها بتعمّق ثم يختار ما هو الأصلح بحال الاُمّة وإلى ذلك يشير قوله سبحانه: ( فَإِذَا عَزَمْتَ (أي بعد التشاور والعزم على الرأي الأصلح) فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ ) ونفّذه، وأوكل الأمر إليه سبحانه ليمدّك ويعينك في المشاكل. فالخطاب في (عزمت) يدلّ على أنّ صاحب القرار ومن بيده الأمر هو نفس (النبيّ) بعد المشاورة. وبتعبير آخر: إنّ هذا يكشف عن أنّ وظيفة الاُمّة اتّجاه النبيّ الأكرم هو مجرّد الإدلاء بالرأي وإبداء النظر، وأمّا القرار النهائيّ فله صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ومن شأنه وحده، ويؤيّد ذلك ما روي عن الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ حيث قال لابن عباس في إحدى الوقائع وقد اشار ابن
