( 385 ) وَأَمُوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَها وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إليْكُمْ مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهاد فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ ) (التوبة:24). ولا تكون مذمومة إلاّ إذا أدّى حبّها والتعلّق بها إلى شرائها بالآخرة، إذ قال سبحانه: ( أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوا الحَياةَ الدُّنيَا بِالآخِرَةِ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذَابُ وَلاَهُمْ يُنْصَرُونَ )(البقرة: 86). ولا تكون مذمومة إلاّ إذا آل الرضا بالدنيا إلى نسيان الآخرة، كما يقول سبحانه: (...أَرَضِيتُمْ بِالحَيَاةِ الدُّنيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إلاّ قَلِيلٌ)(التوبة:38). ولكن إذا كانت الدنيا عوناً على الآخرة فنعمت الدنيا، عندئذ، ونعمت العون والوسيلة: ( إنْ تُقْرِضُوا اللّهَ قَرْضَاً حَسَنَاً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ )(التغابن: 17). وإلى هذا أشار الحديث النبوي الشريف المشهور "الغنى نعم العون على الآخرة". ولهذا حثّ القرآن على الأخذ بالدنيا والآخرة معاً، ولا يجد بينهما تبايناً لو كان الانتفاع بالدنيا من هذا الباب، كما في قوله: (وَابْتَغِ فِيمَا ءَاتَاكَ اللّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَتَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا )(القصص: 77). ومن هنا يتبيّن أن ّ حاصل الجمع بين الآيات المادحة للدنيا، والذامّة لها هو أنّ الدنيا محبوبة ومرغوب فيها إذا كانت وسيلة لكسب الآخرة، والتوصّل إلى المقامات المعنويّة، ومذمومة ومرغوب عنها إذا كانت هدفاً بنفسها، وغاية لذاتها. والكلمة الجامعة في الجمع بين الآيات ما أشار إليه الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ في كلامه في صفة الدنيا حيث قال: "ومن أبصر بها بصّرتهُ ومن أبصر إليها أعمتهُ" (1). فمن جعلها وسيلة للحياة وطريقاً إلى الآخرة كما يتّخذ الإنسان المرآة وسيلة لرؤية ــــــــــــــــــــــــــــ 1- نهج البلاغة:الخطبة رقم 97.
