( وهويته يسقي المدام كأنه ... قمر يدور بكوكب في مجلس ) .
( متناوح الحركات يندى عطفه ... كالغصن هزته الصبا بتنفس ) .
( يسقي بكأس في أنامل سوسن ... ويدير أخرى من محاجر نرجس ) .
( يا حامل السيف الطويل نجاده ... ومصرف الفرس القصير المحبس ) .
( إياك بادرة الوغى من فارس ... خشن القناع على عذار أملس ) .
( جهم وإن حسر القناع فإنما ... كشف الظلام عن النهار المشمس ) .
( يطغى ويلعب في دلال عذاره ... كالمهر يلعب في اللجام المجرس ) .
( سلم فقد قصف القنا غصن النقا ... وسطا بليث الغاب ظبي المكنس ) .
( عنا بكأسك قد كفتنا مقلة ... حوراء قائمة بسكر المجلس ) .
وصنع فيه أيضا .
( وأحور من ظباء الروم عاط ... بسالفتيه من دمعي فريد ) .
( قسا قلبا وشن عليه درعأ ... فباطنه وظاهره حديد بكيت ) .
( وقد دنا ونأى رضاه ... وقد يبكي من الطرب الجليد ) .
( وإن فتى تملكه برق ... وأحرز حسنه لفتى سعيد ) وذكر في البدائع مؤلفه ما نصه خرج المعتصم بن صمادح صاحب المرية يوما إلى بعض متنزهاته فحل بروضة قد سفرت عن وجهها البهيج وتنفست عن مسكها الأريج وماست معاطف أغصانها وتكللت بلؤلؤ الطل أجياد قضبانها فتشوق إلى الوزير أبي طالب بن غانم أحد كبراء دولته وسيوف صولته فكتب إليه بديها بورقة كرنب بعود من شجرة .
( أقبل أبا طالب إلينا ... واسقط سقوط الندى علينا ) .
وجلس المعتصم بن صمادح المذكور يوما وبين يديه ساقية قد أخمدت ببردهما حر الأوار والتوى ماؤها فيها التواء فضة السوار فقال ارتجالا .
( انظر إلى الماء كيف انحط من صببه ... كأنه أرقم قد جد في هربه ) .
وقال السمسير .
( بعوض شربن دمي قهوة ... وغنينني بضروب الأغاني ) .
( كأن عروقي أوتارهن ... وجسمي الرباب وهن القيان .
وأحسن منه قول ابن شرف القيرواني .
( لك مجلس كملت بشارة لهونا ... فيه ولكن تحت ذاك حديث ) .
( غنى الذباب فظل يزمر حوله ... فيه البعوض ويرقص البرغوث ) .
والسابق إلى هذا المعنى أبو الحسن أحمد بن أيوب من شعراء اليتيمة إذ قال .
( لا أعذل الليل في تطاوله ... لو كان يدري ما نحن فيه نقص ) .
( لي والبراغيث والبعوض إذا أجننا حندس الظلام قصص ) إذا تغنى بعوضه طربا ... أطرب برغوثه الغنا فرقص ) .
ونحو هذا قول الحصري فيما نسبه إليه ابن دحية .
( ضاقت بلنسية بي ... وذاد عني غموضي ) .
( رقص البراغيث فيها ... على غناء البعوض ) .
رجع إلى أهل الأندلس فنقول .
كان ابن سعد الخير البلنسي الشاعر كثير الذهول مفرط النسيان ظاهر التغفل على جودة نظمه ورطوبة طبعه وكان كثيرا ما يسلك سكة الإسكافيين الذين يعملون الخفاف على بغلة له فاتخذت البغلة النفور من أطراف الأدم وفضلات الجلود الملقاة في السكة عادة لها واتفق أن عبر في السكة راجلا ومعه جماعة من أصحابه فلما رأى الجلود الملقاة قفز ووثب راجعا على عقبيه فقال له أصحابه ما هذا أيها الأستاذ فقال البغلة نفرت فعجبوا من مخلفه وتغفله كيف ظن مع ما يقاسيه من ألم المشي ونصب التعب أنه راكب وأن حركته الاختيارية منه حركة الدابة الضرورية له فكان تغفله ربما أوقعه في تهمة عند من لم يعرفه فاقترح عليه بعض الأمراء أن يصنع بيتين أول أحدهما كتاب وآخره ذئب وأول الآخر جوارح وآخره أنابيب فصنع بديها .
( كتاب نجيع لاح في حومة الوغى ... وقارنه نسر هنالك أو ذيب ) .
( جوارح أهليه حروف وربما ... تولته من نقط الطعان أنابيب ) .
وقال الحميدي ذكر لي أبو بكر المرواني أنه شاهد محبوبا الشاعر النحوي قال بديهة في صفة ناعورة
