وسأوضح ذلك فأقول أما قولنا عن مجلس رسول الله ( لا تنثى فلتاته ) فإن مفهوم هذا اللفظ أنه كان هناك فلتات إلا أنها تطوى ولا تنشرِ وتكتم ولا تذاعِ ولا يفهم منه أنه لم يكن هناك فلتات إلا بقرينة خارجة عن اللفِ وهي أنه قد ثبت في النفوسِ وتقرر عند العقولِ أن مجلس رسول الله منزه عن فلتات تكون بهِ وهو أكرم من ذلك وأوقر فلما قيل ( إنه لا تثنى فلتاته ) فهمنا منه أنه لم يكن هناك فلتات أصلاً وأما قول القائل .
( وَلا تَرَى الضَّبَّ بِهَا يَنجَحِر ... ) .
فإنه لا قرينة تخصصه حتى يفهم منه ما فهم من الأولِ بل المفهوم أنه كان هناك ضب ولكنه غير منجحر .
ولقد مكثت زماناً أطوف على أقوال الشعراء قصداً للظفر بأمثلة من الشعر جارية هذا المجرى فلم أجد إلا بيتاً لامريء القيس وهو .
( عَلَى لاحِبٍ لا يُهتَدَى لِمَنَارِهِ ... إِذَا سَافَهُ الْعَوْدَ الدِّيَافِيُّ جَرْجَرا ) .
فقوله ( لا يهتدى لمناره ) أي أن له مناراً إلا أنه لا يهتدي به وليس المراد ذلك بل المراد أنه لا منار له يهتدي به .
ولي أنا في هذا بيت من الشعر وهو .
( أدْنَيْنَ جِلْبَابَ الْحَيَاءِ فَلَنْ يُرَى ... لِذُيُولِهِنَّ عَلَى الطَّرِيقِ غُبَارُ ) .
وظاهر هذا الكلام أن هؤلاء النساء يمشين هوناً لحيائهن فلا يظهر لذيولهن غبار على