قال : فلم يكن بعد ذلك إلاَّ أيام قلائل حتَّى توفي C تعالى وأكله الدود . وكتب على كتابي جنان الجناس لمَّا وقف عليه : .
لقد ضمَّ أجناس الجناس فأطربا ... وأعجزَ من باراه فيها فأتعبا .
صلاحٌ لدين الله أَبدى بدائعاً ... تروق بألفاظٍ أرقَّ من الصَّبا .
يراه بليغ جاء بالمدح سائلاً ... مجيزاً مجيباً قولَه لا مخيِّبا .
بإنشاده هذا وإنشائه لقد ... به فات من قد فاق فضلاً ومنصِبا .
فَقُسُّ إيادٍ عند ذا الفضل ناقلٌ ... ولفظ امرئ القيس البديع هُنا هَبا .
ومن شعره لمَّا أُمسك الأمير سيف الدين كَراي المنصور نائب دمشق : .
أنا راضٍ بحالتي لا مزيدي ... وبأن أزال عبدَ الحميدِ .
إنَّ في أمر كافل الملك بالشا ... م عظاتٍ للحازم المستفيدِ .
جاءه بالتقليد أَرْغُون بالأَم ... س وولَّى وعاد بالتقييد .
ومنه : .
سَلَبَ المهجةَ منِّي ... بالجفونِ الفاتراتِ .
لم يزور البيت لم يَرْ ... مِ الحشا بالجَمَراتِ .
ومنه : .
وكم سرحةٍ لي في الرُبى زمنَ الصبا ... أشاهدُ مرأى حسنها متملِّيا .
ويُسكرِني عَرْفُ الشذا من نسيمها ... فأقضي هوًى من طيبه حتفَ أَنفيا .
وأسأل فيها مَبْسِم الروض قُبلةً ... فيُبرز من أكمامه ليَ أيديا .
فلله روضٌ زرتُه متنزّهاً ... فأبدى لعيني حُسن مرأى بلا رِيا .
غدا الغُصن فيه راقصاً ونسيمُهُ ... يكرُّ على من زاره متعدّيا .
ترجَّلَتِ الأَشجار والماء خَرَّ إذْ ... نسيمُ الصَّبا أضحى به متمشِّيا .
تُغَنِّي لديه الوُرْق والغصنُ راقصٌ ... فيعرقُ وجه الأَرض من كَثرة الحيا .
ومنه : .
فَعُدَّ نفسكَ من أهل القبور بها ... فعن قليل إليها سوف تنقلُ .
واذكر مصارع قومٍ قد قضوا ومضوا ... كأَنَّهم لم يكونوا بعدما رحلوا .
يا ليتَ شعريَ ما قالوا وقيل لهم ... وما الذي قد أجابوا عندما سُئِلوا .
ومن نثره C تعالى يصف قلعة ذات أودية ومحاجر : لا تراها العيون لبعد مرماها إلاَّ شَزْراً ولا ينظر ساكنها العدد الكثير إلاَّ نَزْراً . ولا يظنّ ناظرها إلاَّ أنَّها طالعة بين النجوم بما لها من الأبراج ولها من الفرات خندق يحفُّها كالبحر إلاَّ أن هذا عذبٌ فراتٌ وهذا ملح أُجاج . ولها وادٍ لا يقي لفحة الرمضاء ولا حرّ الهواجر وقد توعَّرت مسالكه فلا يُداس فيه إلاَّ على المحاجر . وتفاوت ما بين مرآه العليّ وقراره العميق ويقتحم راكبه الهول في هبوطه فكأَنَّما خرَّ من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق .
ومنه في صدر كتاب : وجعله لحقيقة العلياء نفساً وعيناً ولا أعدم الملك منه ناظراً ولا عينا . ولا زال على الأَعداء يرسل من مهابته رقيبين أذناً وعينا . وأغنى بمكارمه من أن نشيم من السماء خالاً وعينا . أو نَرِدَ من الأرض منهلاً وعينا . وأطلع طلعة لوائه في الخافقَيْن حتَّى تخال لشمس عينا . وسيَّر ركائب ذكره في الآفاق لا تشتكي أَيْناً ولا عينا . وأقام ميزان القسط بين الرعايا لا يجد فيه عيناً ولا عينا . واستبعد لخدمته كلَّ أصيَدَ من الملوك لكل جحفل قلباً ولكن محفِل عينا . وأهلك كلَّ عدوّ له وحاسد تارة فجأةً وتارة عينا . وأنطق لسانَ كرمه للأولياء بنون وعين وميم إذْ كتب سواه ميماً ونوناً وعينا . ومتَّعَهُ بما خصَّه من استجلاء عرائس الحور العِين بمجاهدته إِذا شغل سواه عَيْناءُ من أسماء وعينا . وسطَّر آثار مآثره محكمةً على صفحات الأيام إذْ لم يُبْقِ لمن سلف من الملوك أثراً ولا عينا .
أبو حيَّات التوحيدي الشافعي