ولما بلغ سفيان بن عيينة خبر جعفر وقتله وما نزل بالبرامكة حوّل وجهه إلى القبلة وقال : اللهم إنه قد كفاني مؤونة الدنيا فاكفه مؤونة الآخرة . قال الجهشياري : ولم يدفع الرشيد خاتمه بعد نكبة البرامكة إلى أحد . وكانت تختم بحضرته فإذا شغل عن ذلك أمر أبا صالح يحيى بن عبد الرحيم متولّي الختم وربما أمر حمزة بن بزيع بذلك . ولما استقرَّ المأمون بالعراق أحسن إلى أولاد جعفر وإلى عياله وإلى جماعة من عرف حقوقه من البرامكة ومواليهم وردَّ ضياعهم عليهم ووصلهم . وكان يتذاكر أيامهم ويصفهم ويذكر نضارة أيامهم وحسنها ويشكر جعفر بن يحيى ويعتدّ له بما كان منه في أمره . واجتهد في اصطناع ابنه الفضل فلم يكن فيه فضل وقلد موسى بن يحيى السِّند وأحسن إليه . ولما قصد الفضل بن الربيع فعد قتلة جعفر وولايته الوزارة حفظ خدمة الرشيد في حضرته وإضاعة ما وراء بابه فسد الحال وضاع الأمر وعادت أمور البريد في الأخبار في أيام الرشيد مهملة وكان مسرور الخادم يتقلد البريد والخرائط ويخلفه ثابت الخادم عليها . قال الفضل بن مروان : حدثني ثابت الخادم أن الرشيد توفي وعنده أربعة آلاف خريطة لم تفض .
ابن عتال الداني .
جعفر بن يحيى أبو الحكم المعروف بابن عتالٍ من أهل دانية ولسلفه بها نباهة وهو القائل : من مخلع البسيط .
حبك لذّ بكل معنى ... إلى كرى ملت أو سهاد .
إن كان لا بدَّ من منام ... فأضلعي هاك عن وساد .
ونم على خفقها هدوّاً ... كالطفل في نهنه المهاد .
قال ابن الأبار في تحفة القادم : أبو بكر يحيى بن بقيّ كان أظرف معنى وألطف ذهناً حيث يقول : من الكامل .
باعدته عن أضلع تشتاق ... كي لا ينام على وساد خافق .
على أن بعض الأدباء نسبه إلى الجفاء لما قال باعدته عن أضلع تشتاقه ولم يقل باعدت عنه أضلعاً تشتاقه وهذاتنبيه حسن . انتهى .
قلت وقد نظمت هذا الإيراد على ابن بقي وقلت معارضه في وزنه وروّيه : من الكامل .
باعدته من بعد ما زحزحته ... ما أنت عند ذوي الغرام بعاشق .
هذا يدل الناس منك على الجفا ... إذ ليس هذا فعل صبٍّ وامق .
إن شئت قل أبعدت عنه أضالعي ... ليكون فعل المستهام الصّادق .
أو قل فبات على اضطراب جوانحي ... كالطفل مضطجعاً بمهد خافق .
رجع الكلام إلى ابن الأبّار : قال وله في غلام وسيم لسعته نحلةٌ في شفته : من السريع .
إن لسعت لسعاءه نحلة ... ولم تسعها رخصةٌ في اللَّحم .
عذرتها إذ أخذت شهدها ... من شفةٍ تشهد فيه لفم .
لا غرو في النحل ويوحى لها ... أن تلثم الزهر إذا ما ابتسم .
قال : ودخل هو وأبو بكر بن مغاور وصاحبٌ لهما من الأدباء حمّام بيار من جهة شاطبة فصادف هواء بارداً فقال ابن مغاور : من الكامل .
شرفت بحمام النوار بيار ... فدخانه تعشى به الأبصار .
وقال الآخر : من الكامل .
بينما تروم تنعماً في دفئه ... يغشاك قرٌ ما عليه قرار .
وقال أبو الحكم بن عتال : من الكامل .
لو أن لي فيها عصا موسى على ... آياتها ما فرّ مني الفار .
فقال ابن مغاور على أنك ابن الهزال مصفِّراً باللسان العجمي قال الشيخ شمس الدين : ابن غثّال رأيته قد ضبطها بالغبن المعجمة والثاء ثالثة الحروف المشددة كان أديباً كاتباً منشئاً له خطبٌ ارض بها ابن نباته وأقرأ العربية ومات في سجن الدولة . وتوفي سنة تسع وثلاثين وخمسمئة .
ابن الحكّاك