@ 583 @ ومعلم ، وواعظ ، أن يقتدي بربه ، في تدبيره ، حال رسوله . كذلك العالم ، يدبر أمر الخلق ، وكلما حدث موجب ، أو حصل موسم ، أتى بما يناسب ذلك ، من الآيات القرآنية ، والأحاديث النبوية ، والمواعظ الموافقة لذلك . وفيه رد على المتكلفين ، من الجهمية ونحوهم ، ممن يرى أن كثيرا من نصوص القرآن محمولة على غير ظاهرها ، ولها معان غير ما يفهم منها . فإذا على قولهم لا يكون القرآن أحسن تفسيرا من غيره ، وإنما التفسير الأحسن على زعمهم تفسيرهم الذي حرفوا له المعاني تحريفا . ^ ( الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أول ئك شر مكانا وأضل سبيلا ) ^ يخبر تعالى ، عن حال المشركين الذين كذبوا رسوله ، وسوء مآلهم وأنهم ! 2 < يحشرون على وجوههم > 2 ! في أشنع مرأى ، وأفظع منظر ، تسحبهم ملائكة العذاب ، ويجرونهم ! 2 < إلى جهنم > 2 ! الجامعة لكل عذاب وعقوبة . ! 2 < أولئك > 2 ! الذين بهذه الحال ! 2 < شر مكانا > 2 ! ممن آمن بالله وصدق رسله . ! 2 < وأضل سبيلا > 2 ! وهذا من باب استعمال أفعل التفضيل ، فيما ليس في الطرف الآخر منه شيء ، فإن المؤمنين ، حسن مكانهم ، ومستقرهم ، واهتدوا في الدنيا إلى الصراط المستقيم ، وفي الآخرة إلى الوصول ، إلى جنات النعيم . ^ ( ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا * فقلنا اذهبآ إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فدمرناهم تدميرا * وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس آية وأعتدنا للظالمين عذابا أليما * وعادا وثمودا وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا * وكلا ضربنا له الأمثال وكلا تبرنا تتبيرا * ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء أفلم يكونوا يرونها بل كانوا لا يرجون نشورا ) ^ أشار تعالى إلى هذه القصص ، وقد بسطها في آيات أخر ، ليحذر المخاطبين ، من استمرارهم على تكذيب رسولهم ، فيصيبهم ما أصاب هؤلاء الأمم ، الذين كانوا قريبا منهم ، ويعرفون قصصهم ، بما استفاض واشتهر عنهم . ومنهم من يرون آثارهم ، عيانا ، كقوم صالح في الحجر ، وكالقرية التي أمطرت مطر السوء ، بحجارة من سجيل ، يمرون عليهم ، مصبحين ، وبالليل في أسفارهم . فإن أولئك الأمم ، ليسوا شرا منهم ، ورسلهم ، ليسوا خيرا من رسول هؤلاء . ! 2 < أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر > 2 ! . ولكن الذي منع هؤلاء من الإيمان مع ما شاهدوا من الآيات أنهم كانوا لا يرجون بعثا ولا نشورا ، فلا يرجون لقاء ربهم ، ولا يخشون نكاله ، فلذلك استمروا على عنادهم ، وإلا ، فقد جاءهم من الآيات ، ما لا يبقى معه شك ولا شبهة ، ولا إشكال ، ولا ارتياب . ^ ( وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أه ذا الذي بعث الله رسولا * إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا * أرأيت من اتخذ إل هه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا * أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا ) ^ ! 2 < وإذا رأوك > 2 ! يا محمد ، أي : هؤلاء المكذبون لك ، المعاندون لآيات الله ، المستكبرون في الأرض ، استهزؤوا بك ، واحتقروك ، وقالوا على وجه الاحتقار والاستصغار : ! 2 < أهذا الذي بعث الله رسولا > 2 ! أي : غير مناسب ، ولا لائق ، أن يبعث الله هذا الرجل ، وهذا من شدة ظلمهم وعنادهم ، وقلبهم الحقائق ، فإن كلامهم هذا يفهم أن الرسول حاشاه في غاية الخسة والحقارة ، وأنه لو كنت الرسالة لغيره ، لكان أنسب . ! 2 < وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم > 2 ! ، فهذا الكلام ، لا يصدر إلا من أجهل الناس وأضلهم ، أو من أعظمهم عنادا ، وهو متجاهل ، قصده ، ترويج ما معه من الباطل ، بالقدح بالحق ، وبمن جاء به ، وإلا ، فمن تدبر أحوال محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ، وجده رجل العالم ، وهمامهم ، ومقدمهم في العقل ، والعلم ، واللب ، والرزانة ، ومكارم الأخلاق ، ومحاسن الشيم ، والعفة ، والشجاعة ، وكل خلق فاضل ، وأن المحتقر له ، والشانىء له ، قد جمع من السفه والجهل ، والضلال ، والتناقض ، والظلم ، والعدوان ، ما لا يجمعه غيره . وحسبه جهلا وضلالا ، أن يقدح بهذا الرسول العظيم ، والهمام الكريم . والقصد من قدحهم فيه واستهزائهم به ، تصلبهم على باطلهم ، وتغرير ضعفاء العقول ، ولهذا قالوا : ! 2 < إن كاد ليضلنا عن آلهتنا > 2 ! بأن يجعل الآلهة إلها واحدا ! 2 < لولا أن صبرنا عليها > 2 ! لأضلنا ، فزعموا قبحهم الله أن الضلال هو التوحيد ، وأن الهدى ، ما هم عليه من الشرك ، فلهذا تواصوا بالصبر عليه . ! 2 < وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم > 2 ! . وهنا قالوا : ^ ( لولا أن صبرنا