والحبل : ما يشد به للارتقاء أو التدلي أو للنجاة من غرق أو نحوه والكلام تمثيل لهيئة اجتماعهم والتفاتهم على دين الله ووصاياه وعهوده بهيئة استمساك جماعة بحبل ألقي إليهم منقذ لهم من غرق أو سقوط وإضافة الحبل إلى الله قرينة هذا التمثيل . وقوله ( جميعا ) حال وهو الذي رجح إرادة التمثيل إذ ليس المقصود الأمر باعتصام كل مسلم في حال انفراده اعتصاما بهذا الدين بل المقصود الأمر باعتصام الأمة كلها ويحصل في ضمن ذلك أمر كل واحد بالتمسك بهذا الدين فالكلام أمر لهم بأن يكونوا على هاته الهيئة وهذا هو الوجه المناسب لتمام البلاغة لكثرة ما فيه من المعاني . ويجوز أن يستعار الاعتصام للتوثيق بالدين وعهوده وعدم الانفصال عنه ويستعار الحبل للدين والعهود كقوله ( إلا بحبل من الله وحبل من الناس ) ويكون كل من الاستعارتين ترشيحا للأخرى لأن مبني الترشيح على اعتبار تقوية التشبيه في نفس السامع وذلك يحصل له بمجرد سماع لفظ ما هو من ملائمات المستعار بقطع النظر عن كون ذلك الملائم معتبرة فيه استعارة أخرى إذ لا يزيده ذلك الاعتبار إلا قوة ليست الاستعارة بوضع اللفظ في معنى جديد حتى يتوهم متوهم أن تلك الدلالة الجديدة الحاصلة في الاستعارة الثانية صارت غير ملائمة لمعنى المستعار في الاستعارة الأخرى وإنما هي اعتبارات لطيفة تزيد كثرتها الكلام حسنا . وقريب من هذا التورية فإن فيها حسنا بإيهام أحد المعنيين مع إرادة غيره ولا شك أنه عند إرادة غيره لا يكون المعنى الآخر مقصودا وفي هذا الوجه لا يكون الكلام صريحا في الأمر بالاجتماع على الدين فيؤول إلى أمر كل واحد منهم بذلك على ما هو الأصل في معنى مثل هذه الصيغة ويصير قوله ( جميعا ) محتملا لتأكيد العموم المستفاد من واو الجماعة .
A E وقوله ( ولا تفرقوا ) تأكيد لمضمون اعتصموا جميعا كقوله : ذممت ولم تحمد . على الوجه الأول في تفسير ( واعتصموا بحبل الله جميعا ) . وأما على الوجه الثاني فيكون قوله ( ولا تفرقوا ) أمرا ثانيا للدلالة على طلب الاتحاد في الدين وقد ذكرنا أن الشيء قد يؤكد بنفي ضده عند قوله تعالى ( وقد ضلوا وما كانوا مهتدين ) " في سورة الأنعام " وفي الآية دليل على أن الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده .
وقوله ( واذكروا نعمة الله عليكم ) تصويرا لحالهم التي أمروا بأن يكونوا عليها وهي الاعتصام جمعيا بجامعة الإسلام الذي كان سبب نجاتهم من تلك الحالة وفي ضمن ذلك تذكير بنعمة الله تعالى الذي اختار لهم هذا الدين وفي ذلك تحريض على إجابة أمره تعالى إياهم بالاتفاق . والتذكير بنعمة الله تعالى طريق من طرق مواعظ الرسل . قال تعالى حكاية عن هود ( واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح ) وقال عن شعيب ( واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم ) وقال الله لموسى ( وذكركم بأيام الله ) . وهذا التذكير خاص بمن أسلم بعد أن كان في الجاهلية لأن الآية خطاب للصحابة ولكن المنة به مستمرة على سائر المسلمين لأن كل جبل يقدر أن لو لم يسبق إسلام الجيل الذي قبله لكانوا هم أعداء وكانوا على شفا حفرة من النار .
والظرفية في قوله ( إذ كنتم أعداء ) معتبر فيها التعقيب من قوله ( فألف بين قلوبكم ) إذ النعمة لم تكن عند العداوة ولكن عند حصول التأليف عقب تلك العداوة .
والخطاب للمؤمنين وهم يومئذ المهاجرين والأنصار وأفراد قليلون من بعض القبائل القريبة وكان جميعهم قبل الإسلام في عداوة وحروب فالأوس والخرج كانت بينهم حروب دامت مائة وعشرين سنة قبل الهجرة ومنهما كان يوم بعاث والعرب كانوا في حروب وغارات بل وسائر الأمم التي دعاها الإسلام كانوا في تفرق وتخاذل فصار الذين دخلوا في الإسلام إخوانا وأولياء بعضهم لبعض لا يصدهم عن ذلك اختلاف أنساب ولا تباعد مواطن ولقد حاولت حكماؤهم وأولو الرأي منهم التأليف بينهم وإصلاح ذات بينهم بأفانين الدعاية من خطابة وجاه وشعر فلم يصلوا إلى ما ابتغوا حتى ألف الله بين قلوبهم بالإسلام فصاروا بذلك التأليف بمنزلة الأخوان